الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على خير المربين نبينا ( محمد ) وعلى آله وصحبه أجمعين
● ـ من علماء الجزائر :العارف بالله الشيخ سيدي محمد أبو عبد الله المغوفل (828- 923هـ/000- 1023م)الشاذلي المشيشي الحسني
- دفين وادي شلف - والتعريف بتأليفه : فلك الكواكب وسلم الرقيا إلى المراتب .
* ـ حمدادو بن عمر .
* ـ محمد أبو عبد الله المغوفل :
يدخل هذا المخطوط ضمن كتب التراجم التي تتناول موضوع التصوف وحياة المتصوفين وتعداد فضائلهم، والتي برزت خلال العهد الزياني بالجزائر. ويمكن إدراجه كذلك ضمن التراجم العامة والتي نقصد بها تلك التآليف التي اشتملت على أكثر من ترجمة سواء كانت تتناول تراجم مدينة معينة أو ناحية أو عصرما، وهي التي كتبها أصحابها هادفين إلى ترجمة شخص بعينه كترجمة صاحب كتاب متاحف الهدى في مناقب سيدي أ. محمد بن عودة للمنداسي (1) .
وفي هذا الصدد يقول أبو القاسم سعد الله : "ويوجد عدد من التراجم العامة بعضها قصير لا يغطّي سوى بضع صفحات، وبعضها كبير، حتىّ إنّ تجاوز الثلاثمائة صفحة، كما أنّ بعضها أراد به أصحابه الترجمة لعلماء وصلحاء ناحية معينّة في فترة خاصة، وبعضها أرادوا له أن يغطيّ علماء وصلحاء مدينة معينة ما" (2) .
غير أنّ ممّا لا ارتياب فيه هو أنّ الهدف واحد، وهو جمع المواد الأساسية والوثائق الأمينة والضرورية التي تسهّل على المؤرخ الوصول إلى النتائج المطلوبة أثناء قيامه بعمل البحث والتنقيب، أو التحرير والترتيب .. لأنّ صرح الأمة يتوقف على توفي لبنات لتلك الوثائق وجمعها من مظانها، لاسيما الوثائق التاريخية منها التي لها أهمية كبرى ودور فعّال في استنباط تلك الحوادث المتسلسلة حسب الزمان والمكان .. ومعرفة رجالاتها وتاريخها، ومصدرًا مهمًا في علم التصّوف وفروعه .
ومن هذه الوثائق التاريخية المهمة كتاب "فلك الكواكب ..." لمؤلفه محمد أبي عبد الله المغوفل .
** التعريف بصاحب المخطوط :
سنتكفي في هذه العجالة بتلك الترجمة المخطوطة التي وضعها الشيخ المهدي البوعبدلي عند تعريفه للشيخ أبي عبد الله المغوفل حيث يقول :
"هو محمد أبو عبد الله بن محمد بن واضح ابن عثمان بن محمد ابن الحاج عيسى ابن فكرون بن القاسم، ولد سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وتوفي سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ودفن على حافة وادي شلف قرب وادي أرهيو .. قال عنه المؤرخ أبو راس الناصر المعسكري عند تعداده لعلماء مغراوة : "ومنهم الشيخ واضح بن عثمان بن محمد بن عيسى بن فكرون توفي سنة خمس وستين وثمانمائة، سماه أبوه على شيخه الشيخ واضح بن عاصم المكناسي دفين خنق أرهيو، ومنهم الشيخ أمحمد والد الشيخ أبي عبد الله الشيخ محمد صاحب القبتين بشلف، في بطائح أفرشان وكان رضي الله عنه ممن أكلته العبادة وانحلته الزهادة" .. وذكر العلامة المحقق الشيخ أحمد بابا التنبكتي في "ذيل الديباج" في ترجمة الشيخ واضح جد مترجمنا مايلي : "واضح بن عثمان ابن محمد بن عيسى بن فكرون المغراوي أبو البيان الفقيه القاضي الأعدل الصالح" (2) .
قال الونشريسي في وفياته بعد وصفه بما ذكر بلدينا وقريبنا توفي سنة ست وخمسين وثمانمائة " (3) .
وهنا يقول الشيخ المهدي البوعبدلي : "وأظن أن ّالتاريخ الذي ذكره أحمد بابا في كتابه ذيل الديباج هو الأصحّ، إذ أنّ أجداد مترجمنا استوطنوا ونشريس ومواطنهم أحمد بن يحي الونشريسي أدرى بتراجمهم، ولربما نقل عنه أبو راس النّاصر المعسكري، ووقع له غلط في تاريخ الوفاة" (4) .
وقد كان الجدُّ الأعلى السيد عثمان أي والد واضح معاصرًا للعلامة المؤرّخ الشيخ أبو عمران موسى بن عيسى المغيلي المازوني والد الشيخ يحي أبو زكرياء صاحب "الدرر المكنونة في نوازل مازونة" الذي أثبت في تأليفه القيم "ديباجة الافتخار في مناقب أولياء الله الأخيار" الذي خصّصّه لتراجم علماء وصلحاء شلف .. حيث قال في ترجمة الشيخ واضح اللُّنْتي دفين خنق وادي أرهيو السالف الذكر مايلي : "ومن مكاشفات سيدي واضح ما حدثني به القاضي أبو عمرو عثمان بن محمد عن ثقاة عن جده الحاج الرحال أبي مهدي عيسى بن فكرون أنه كلفه مرة أن تصنع له امرأته بنت المرابط أبي جنان برنسا" (5) .
" لا تغزلوه إلاّ على طهارة ولا تنسجه إلاّ كذلك حتىّ كمل وقطّعه وأتى به إلى الشيخ فلمّا كان في الطريق أحرم بصلاة وإذا بأمير أتيا وهو يقول إليهم على برنوص الشيخ سيدي واضح تتعديتم على حمله إلى الشيخ، فلما رآه تبسّم وقال يا عيسى جعلنا لك السكين لتنزع به الشوك، فأذيت به الناس بها فازداد أبو مهدي شيخه يقيناً بما كتبه به ..." (6) .
وذكر العلامّة الشيخ ابن القاضي في "جذوة الاقتباس" (7) في ترجمة الشيخ محمد بن علي الخروبي الطرابلسي دفين الجزائر وإمامها الشهير في بعض أسانيده أنه – أي الخروبي – كان يروي عمر أبي زيان المديوني عن أبي عبد الله محمد ابن يوسف السنوسي عن أبي اسحق ابراهيم التّازي. ويقول ابن القاضي في رواية أخرى "أخذ محمد بن علي الخروبي عم محمد بن واضح الشلفي والد سيدي أبي عبد الله صاحب شلف" .. من هذا يتبين لنا أن أسرة مترجمنا كانوا من أهل العلم وتوارثوا خطط القضاء .
وممّا يمكننا الإشارة إليه هو أنّ الشيخ عايش فترة تواجد العثمانيين ببلادنا، فكان الشيخ ذو مكانة عالية وذو مهابة كبيرة بين أوساط مجتمعه من الخاصة والعامة، وكان مهاب الجانب حتّى من السلطة العثمانية نظرًا لأهميته، وهو ما يشير إليه أبو القاسم سعد الله بقوله : حاول العثمانيون الاستفادة من نفوذه الروحي في أول عهدهم .. وتذكر المصادر أنّ ابن المغوفل قد ظهر أمره وهو ما يزال في تونس، وأنّ المشْيَخَةَ قد أُعطِيَت له هناك، ثمّ جاء منطقة الشلف ونزل بومليل حيث ظل يتعبد، ثمّ انتقل إلى ندايلة .. وكان لابن المغوفل ستة أولاد، اثنان منهم قد رافقا الحملة العثمانية على تلمسان" (8) .
ودائما عن حياة الشيخ أبي عبد الله المغوفل الشيخ واضح يذكر المؤرخ أبو راس الناصر المعسكري في تأليفه "الحاوي لنبذ من التوحيد والتصوف والأولياء والفتاوي " (9) حيث يقول حكاية عن بعض كراماته قائلا : "حكي عن سيدي واضح أنه قال لرجل اذهب معي فمشيا لكديةٍ فقال للرجل أمعك سكين ؟ قال نعم فناوله إياها فقطع بها نباتا ورجعا فلمّا سئل الرجل سكينه وجدها رجعت ذهبا، فبهت فا أعلم أن سبب ذلك كان من النبات المقطوع بها بالأمس فعمد لجميع الحديد الذي ببيته وذهب للكدية وصار يقطع من كل نباتها حتى أعياه ذلك ثم رجع ومر على سيدي واضح فلمّا رآه تبسّم وكاشفه بالقضية، فقال : يا ولدي أين كنّا بالأمس فقال : كنا برأس هذه الكدية .. فقال : إنمّا كنّا بجبل قام" .
وقد اعتبره أبو راس "أحد أعجوبات الدهر في علمه وورعه وكراماته، يشهد لعلمه قصيدة مدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها سبعون بيتا وليس فيها حرف يستحق النقط، بل كلّها عواطل من النقط، وكفى به حجةّ" (10) كما ذكر الصباغ القلعي عن سيدي موسى انّه سمع من سيدي واضح أنه قال : وقد قبض مع لحيته هذه اللّحية بفضل الله تنفع بعد موتها ما لا تنفع في حياتها" .
من كراماته أيضا يذكر صاحب زمزم الأخيار : "مرة استضاف الغزال المذكور (التمزغراني) كان خديماً للشيخ أحمد بن يوسف رحمه الله فاستضافه مرة في تمزغران فبسط له البسط والفُرش والوسائد وغير ذلك، فجلس الشيخ عليها مرة كونه ضيفاً عنده إلى أن ذهب ثمّ بعد مرة استضاف الغزال المذكور سيدي أبي عبد الله بن واضح نفعني الله به، ففعل له الغزال مثل ما فعل لسيدي أحمد فامتنع سيدي أبي عبد الله من الجلوس على الفرش وجلس على الأرض، فقال له الغزال لم لم تجلس عليها كما جلس سيدي أحمد بن يوسف فقال لد سيدي أبي عبد الله سيدي أحمد أُعطي له ونحن لم يعط لنا" (11) .
الغرض من تأليفه لأرجوزة فلك الكواكب وسلم الرقيا إلى المراتب :
يمكننا أن نلحظ غرض تأليف المؤلف لكتابه من خلال قوله في الأرجوزة :
وبعد في القصد بهذا الرجز تقريبه لنا بلفظ مؤجز .. ظاهر اللفظ ليس بالمعقد ليحصل النّفع به للمبتدئ .
فالغرض من التأليف إذن هو تقريبه للخاصة والعامة بشكل يسهل فهمه وحفظه، ذو معنى بسيط غير معقد، ذو عبارات سلسة وأفكار جزلة، سهلة المنال هذا من جاب ومن جانب آخر خصوصا عند ذكره لكلّ ترجمة هو التبرك "بمن مضى والحثّ على الانتفاع بهم وتنبيه الغافل عنهم لكي يرقى بسببهم إلى الصلاح، ومن هؤلاء علماء سكنوا البطحاء، مثل أبي عمران موسى الشاذلي، وأبي أيوب وابن أبي العافية، والسعدّي وأحمدوش .
--------------------------------------------------------------------------------
خادم أهل الله الشريف عبدالعزيز بن علال الشريف الإدريسي الحسني الجزائري