قال أحدهم : لقد سلكت طريق العلم في معرفة الله ، و بلغت مقاما عليا بالنسبة لي حينما استطعت أن أجيب عن كل تساؤلات الشيطان الوهمية الخيالية ، و أحببت سبيل العلم و أضربت عن سبيل الوهم ، غير أن المثير حقا للدهشة ، هو الغفلة التي تعقب ذلك كله ، بعبارة أخرى يغفل الإنسان ـ على علمه اليقيني الذي حصله ـ عن أكبر الحقائق الكونية في هذا الوجود ، عن كبرى اليقينيات في هذا الكون ، عن واجب الوجود الذي دونه لا يكون وجود ، و أخذت أبحث عن سبب هذه الغفلة ، فرأيت القوم يختلفون فيها ، فمنهم من يجعلها مقاما ، و ذلك أن الأشياء إنما تدرك بضدها ، فلا تدرك حلاوة القرب إلا بأن يذوق الإنسان مرارة البعد ، و منهم من يجعلها علامة على قهر الله كما قال ابن عطاء الله مِمّا يَدُلُّكَ عَلَى وُجُودِ قَهْرِهِ سُبْحانَهُ أَنْ حَجَبَكَ عَنْهُ بِما لَيْسَ بِمَوْجودٍ مَعَهُ ، فتتضرع إليه و تفقد الثقة بنفسك و بعلمك لتثق في الأخير به وحده لا شريك له . إهـ قال سيدي أبي الحسن الشاذلي : قيل لي في نوم كاليقظة أو في يقظة كالنوم : لا تركن إلى شيء دوننا فإنه وبال عليك و قاتل لك ، إن ركنت إلى العمل رددناه عليك ، و إن ركنت إلى المعرفة ذكرناها عليك ، و إن ركنت إلى الوجد استدرجناك فيه ، و إن ركنت إلى العلم أوقفناك معه ، و إن ركنت إلى المخلوقين وكلناك إليهم ، ارضنا لك ربا نرضاك لنا عبدا .
و روي عنه أنه قيل له : إن ركنت إلى العلم أنسيناكه ، و إن ركنت إلى الحال سلبناك إياه ، و إن ركنت إلى المعرفة حجبناها عنك ، و إن ركنت إلى قلبك أفسدناه عليك فلا يركن العبد إلى شيء سوى الله البتة ، و متى وجد من قلبه ركونا إلى غيره فليعلم أنه قد أُحِيلَ على مفلس ، بل مُعْدِم ، و أنه قد فُتِحَ لهُ البابُ مكرا فليحذر وُلُوجَهُ و الله المستعان . فإذا اخترقت تلك الحواجز فإن شاء الله ستعرفه .