بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الذي أطلع في قلوب أحبابه بالمعارف الإلهية وأسبغ عليهم نعمه لظاهرة والخفية , والصلاة والسلام على سيدنا محمد المخصوص بأعظم شرف وأكرم عطية وعلى آله وأصحابه أصحاب النجدة والحمية وسلم تسليماً كثيراً
أما بعد :
فهذه نبذة عن سيرة القطب الرباني والغوث الجليل الصمداني العارف بالله الحسيب النسيب السيد الشريف فرع الشجرة النبوية وطراز العصابة الهاشمية بحر الأسرار الراوي أبو الفتوح الشيخ سعد الدين الجباوي[1] الشيباني[2] الجناني[3] الحسني [4] الحسيني [5]
- نسبه الشريف :
1. هو الإمام الكبير والصوفي الشهير مربي المريدين ومرشد السالكين العارف بالله الشيخ سعد الدين الجباوي الشيباني الجناني الإدريسي الحسني الحسيني قدس الله سره العزيز.فهو عريق الأصلين كريم النسبين فهو : سعد الدين بن العلامة الشيخ يونس الشيباني الشيبي المكي الحسني بن السيد عبد الله الشيباني الحسني (المهاجر من طرابلس الغرب إلى مكة المشرفة) بن سيدي يونس الشيباني (دفين جبل غريان في طرابلس الغرب) بن مولاي علي الشريف الجناني (نزيل أم جنان نواحي الأربعة في طرابلس الغرب )بن مولاي البحر الرائق كنز العلوم والحقائق صاحب الإمداد والعرفان السيد مؤيد الدين شيبان (صاحب الرواق في جامع الزيتونة بتونس) بن مولاي سعد الله الشهير بشيبان (دفين الزاوية الشيبانية الكائنة في قابس بتونس) بن مولاي عبد الرحمن الأكبر بن مولاي علي المحجوب (دفين مكناس بالمغرب) بن مولاي عبد الله دفين مراكش بالمغرب بن مولاي عمر الإدريسي (دفين فاس بالمغرب) بن صاحب الحظ الأوفر مولاي ادريس الأنور (دفين فاس بالمغرب) بن مولاي ادريس الأكبر الذي شرفه الله بفتح المغرب بن الإمام عبد الله المحض الشهير بالكامل الحسني بن الإمام الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط سيد شباب أهل الجنة عليه السلام بن الإمام أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه من زوجته السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين بنت سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد r.
هذا نسب سيدنا سعد الدين الجباوي من جهة أبيه وأما من جهة أمه فهو بن السيدة العابدة الزاهدة أم الخير ولية الله عائشة بنت السيد أيوب بن السيد عبد المحسن بن السيد يحيى المكي بن السيد محمد المهدي المكي بن السيد محمد أبي القاسم بن السيد الحسن القاسم بن السيد الحسين الرضي المحدث بن السيد أحمد الأكبر الصالح بن السيد موسى الثاني بن السيد الإمام ابراهيم المرتضى بن السيد الإمام موسى الكاظم بن السيد الإمام حعفر الصادق بن السيد الإمام محمد الباقر بن السيد الإمام علي زين العابدين بن الإمام سيد شباب أهل الجنة أبي عبد الله الحسين الشهيد رضي الله عنه بن السيد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من سيدة نساء العالمين السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم r.[6]
ـ روي أن الشيخ العارف بالله ابراهيم الأنور حفيد القطب العارف بالله الشيخ سعد الدين الجباوي رضي الله عنه سأل جده عن نسبه فقال الشيخ : يقول الله تعالى في كتابه الكريم

إن للمتقين مفازاً حدائق وأعناباً وكواعب أتراباً وكأساً دهاقاً لايسمعون فيها لغواً ولا كذاباً جزاء من ربك عطاء حساباً .)[7] أي ولدي : نسب التقوى الزمه إذا انتسب الناس إلى الأسلاف من الآباء والأجداد فانتسب أنت إلى تقوى الله تعالى فذلك النسب الذي لا ينصرم حبله ولا ينقطع أصله , فقال له سيدي : لا أسألك عن نسبك الروحي وإنما أسألك عن نسبك الصوري فأطرق الشيخ ملياً ثم جلس على ركبتيه وقال : أي ابراهيم تحدثاً بنعمة الله إن جدك هذا العبد العاجز هو سعد الدين بن يونس بن عبد الله وأخذ يجر نسبه الشريف إلى سيدنا الحسن u والرحمة والرضوان كما سبق ثم سأله ابراهيم المشار إليه وقال له سيدي لمن ينتهي نسب والدتك فقال له : الله , الله أي ابراهيم تحب التدقيق في الأمور فقال له سيدي خوفاً من وقوعي تحت الوعيد الشديد الوارد في حق من انتسب إلى غير أبيه , فقال له : أي ولدي قد يقع في ذلك كثير من الناس لا بمجرد الوهم بل محض افتراء ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم , أي ولدي : اعلم أن والدة جدك – وعنى نفسه – وقال : هي السيدة عائشة بنت السيد أيوب بن السيد عبد المحسن بن السيد يحيى إلى أن أوصله إلى سيدنا الحسين u رضي الله عنه وأمدنا بمدده آمين [8]
- فيما ورد عن مولده ونشأته وبعضاً من صفاته وذريته رضي الله عنه :
ولد سيدنا سعد الدين في مكة المكرمة عام (460 هجرية) كما قيل في تاريخ ولادته : (بدأ الهناء بسعد سعد الدين ) وتوفي قدس الله سره عام (575 هجرية)كما قيل في تاريخ وفاته: (كمل نور سعد الدين) .
كان سيدنا سعد الدين فيما بلغنا عنه : لطيف الذات جميل الصفات أبيض اللون معتدل القامة واسع العينين جهوري الصوت يستحي الناظر أن ينظر إليه لمهابته وجلالة قدره [9].
وروي أنه كان ذكياً موهوباً جميل الخلْق والخلُق نديّ الصوت مولعاً بالفروسية وركوب الخيل والرماية والكرّ والفرّ , فقد انكب على حفظ القرآن الكريم وهو في السابعة من عمره فأتمه وكان يرتله في الحرم المكي بصوت جميل نديّ , وأتم تحصيله للعلوم الدينية في سنّ صغيرة فقد درس الحديث والتفسير والتوحيد والتصوف والفقه على المذهب الشافعي رضي الله عنه وكان ملازماً لوالده الشيخ يونس الشيباني الحسني في مجالسه ومارآه أحد من هذه الأمة إلا وتوسم فيه الرفعة والسيادة والنجابة والوراثة المحمدية , وكان له عدة سياحات طويلة في بقاع الأرض كان أولها باليمن ثم مصر وبلاد المغرب وبلاد الشام وبيت المقدس والعراق مما زاد في تحصيله العلمي والمعرفي وزار الكثير من العلماء والأولياء والصالحين , وقيل أنه كان يدون رحلاته قام بجمعها ولده الشيخ محمد شمس الدين ورتبها في كتابين الأول : خصصه لرحلاته والثاني : لمروياته[10] .
وفي هذه الفترة من عمر الشيخ المبكرة كانت البلاد الإسلامية يعمها الفوضى والبلابل والفتن وابتليت بالحملات الصليبية التي كانت تغزو بلاد الشام تباعاً فخرج الشيخ إلى بلاد الشام ونزل أرض الجولان تجاه جبل الشيخ فكر عليه جماعة من قطاع الطرق لسلب أمتعتهم وأخذ مالديهم فكر عليهم الشيخ فاستوثق زعيمهم وطلبوا منه أن يطلق سراحه وأن يتزعمهم وقد توسم فيهم الخير والشجاعة وقرر أن يبقى معهم رغبة منه في استتابتهم وإصلاحهم فعمل على مداواة نفوسهم وتوجيههم بحكمة وبُعْد نظر فدعاهم للتحلي بأخلاق الرجال والفرسان وصور لهم معنى الرجولة والشجاعة وأثار فيهم نوازع الرجولة والشجاعة والإقدام وشاع بين الناس أن الشيخ تزعم جماعة من قطاع الطرق وأنه اشتغل بلهوه وبطالته ووصل الخبر إلى والده الشيخ يونس بمكة فاغتم لذلك وعظم عنده الأمر فدخل المسجد الحرام وبذل مجهوده في الدعاء في أن يهدي الله ولده أوياخذه لديه فما أتم دعائه حتى جاء الغوث من الله وبينما الشيخ وجنده ما هم عليه إذ بنفر من ثلاثة أشخاص على خيول بيض بثياب بيض فأقبلوا عليهم فصوّب عليهم الشيخ خشية منهم فنظر إليه أوسطهم وناداه مخاطباً بقوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر اللَّه وما نزل من الحق)[11] فقال له : بلى يارسول الله آن , فأخذه البكاء وسقط مغشياً عليه من شدة البكاء وكذلك جماعته صعقوا وقد أغمي عليهم من شدة الموقف فلما أفاق مسح الرسول الأعظم r على صدره وأمره بالاستغفار وخلع عليه ردائه الشريف وألبسه الخرقة المباركة ثم تقدم إليه أحد الفرسان وهو سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه وقد أخرج من جيبه تمرات ثلاث وناولهن لحضرة المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فتفل عليهن ونفث بأنفاسه المباركة وناولها للشيخ سعد الدين وقال له r: ( خذها لك ولذريتك من بعدك إلى يوم القيامة .) فتناولها الشيخ وقبّلها وقبلها وعظمها فأشرقت شمس القبول وصار ببركة المصطفى r من كبار العارفين بالله ونال ما نال من الأسرار الربانية فانجذب إلى مولاه وأفاض أنوار باطنه على ظاهره وجرت عليه صور المجاهدة من غير مكابدة وعناء بل بلذاذة وهناء حتى امتلأ حب الله في قلبه وقد روي أنه يكون جالساً فيبتسم ثم يغلب عليه الجلال فيبكي فيقول الله فيخرج من فيه نور يشاهده الكثير من جلسائه . وقد ذكر الإمام المحدث السخاوي ان الشيخ سعد الدين كان صاحب الوقت مبتدى وصاحب الأنفاس منتهى وصاحب الأحوال بينهما قال القشيري ( النفس ترويح القلوب بلطائف الغيوب وصاحب الأنفاس أرق وصفاً من صاحب الأحوال فالأوقات لأصحاب القلوب والأحوال لأرباب الأرواح والأنفاس لأهل السرائر ) وقال أبو علي الدقاق :
( السر محل المشاهدة كما أن الأرواح محل المحبة والقلوب مجال المعرف والسر ألطف من الروح والروح أشرف من القلب ويطلق لفظ السر على مايكون مصون مكنون بين العبد والحق سبحانه وتعالى في الأحوال . )
وهكذا صارت روحه رضي الله عنه تترنم بألحان العرفان على عيدان أغصان الإنسان فطار من مستوى النفس إلى أوج العقل ليأخذه تحت جناح طربه إلى مدينة كان الله ولا شيء معه فالتقيا فارتقيا فوردا فشهدا فجمعا فوسعا فأعادا غرائباً من حضرة
( وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم )[12]
وبعد هذه الكرامة التي أكرم الله بها الشيخ سعد الدين رضي الله عنه عاد إلى مكة المكرمة تلقاه والده وهنأه بما تفضل الله عليه وأذن له بالدخول في سلك القوم ولقنه الذكر وألبسه الخرقة المحمدية ثم أمره بالتوجه إلى الشام حيث فتوحه فيها فأنشأ رباطه ومسجده في جَبَا الشام وصار جنده الذين خرج من أجلهم من العارفين والمجاهدين وصارت جبا الشام محط الرجال ومنارة للعلم والمعرفة ومنهلاً للعارفين وعمّت بركات الشيخ الآفاق وذاع صيته
في الأمصار.
- سند الشيخ في الخرقة رضي الله عنه :
وأما سنده في الطريقة :فللشيخ رضي الله عنه سندان في الطريق أحدهما وهبي والآخر كسبي ،فأما الوهبي :فهو ما اشتهر بين العام والخاص من القصة الشهيرة التي أكرمه الله بها بلقاء سيد الخلق سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقنه الذكر وألبسه ردائه الشريف فانجذب إلى مولاه وصار ببركة المصطفى صلى الله عليه وسلم من العارفين فقد فتح الله عليه فتوح العارفين فأصبح من أكابر الواصلين أضاءت أوقاته بالوصل وأشرقت أوقاته بالوصل وأشرقت أنواره في سماء الفضل والأمر فوق ما يقال على يد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وصحابته السادة المتقين رضي الله عنهم .فهذه الطريقة الوهبية المأخوذة عن خير البرية صلى الله عليه وسلم .وأما سنده الكسبي : فقد أخذ الطريقة ولبس الخرقة عن والده ومرشده البحر المحيط العلامة الشيخ يونس الشيباني المكي الحسني وهو أخذ الطريقة عن الشيخ أبو بكر النساج عن أبي القاسم الجرجاني عن أبي عثمان المغربي عن أبي علي الكاتب عن الشيخ علي الروذبادي عن شيخ الطائفة الجنيد البغدادي عن خاله السري السقطي عن معروف الكرخي عن الإمام علي الرضى عن الإمام موسى الكاظم عن والده الإمام جعفر الصادق والده الإمام عن محمد الباقر عن والده الإمام علي زين العابدين والده الإمام عن والده الإمام الحسين السبط u عن والده الإمام علي عن ابن عمه سيد الأنبياء والرسل سيدنا رسول الله r [13] .
-مؤلفات الشيخ رضي الله عنه :
للشيخ مؤلفات عديدة لم تزل مخطوطة ومحفوظة في المكتبات العامة والخاصة في البلدان العربية والأجنبية ومنها :
1. كتاب الفتوح : يقع في مجلدين من القطع الكبير .
2. كتاب الهواتف ( مجلد )
3. كتاب الأخبار .
4. كتاب الوقائع ( مجلد )
5. الورد الكبير والأوسط والصغير والورد الفضي
6. حزب الفتوحات – حزب الصفا – حزب الأنوار والتحصين –الورد المسبع والمثلث- مجموعة أوراد الليالي والأيام – صيغ الصلوات على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .وغيرها من الأوراد والأدعية المباركة ورقع وأسرار خاصة لأهل الطريقة العلية
7. مجموعة قصائد ومنظومات في التوحيد ومدح الرسول الأعظم والحقيقة المحمدية [14].