المهمشون في التاريخ الإسلامي للدكتور محمود إسماعيل .. كتابة جديدة لتاريخ الحركات المجهولة والمشوهة
أحمد السيد علي
ahmadsabryali2010@yahoo.com
2005 / 12 / 13
ربما لا يُعد اهتمام د. محمود إسماعيل بالحركات الاجتماعية شيئاً جديداً، من حيث تبنيه للمادية التاريخية كمنهج للبحث، وهو ما يشترك فيه معظم الباحثين التاريخيين الماركسيين، إلا أن أبحاث د.محمود إسماعيل تتميز بأنها الأكثر وعياً ونضجاً في استخدام المنهج المادي والتعامل مع النص، وهو ما تفتقر إليه مثيلاتها من الأبحاث الماركسية والتي تعاني من الازدواجية في تعاملها مع النصوص فترفض بكل جرأة الاتهامات التي يوجهها مؤرخو السلطة لهذه الحركات بالفساد الأخلاقي، ومن ناحية أخرى تقبل بكل بساطة الاتهامات التي يوجهها نفس المؤرخون وفي نفس النصوص لهذه الحركات بالفساد الديني، وهي مفارقة لم يقع فيها الدكتور محمود إسماعيل والذي أدرك مدى الربط المتعمد والمدروس الذي تقوم به هذه النصوص بين الخروج على الحاكم والخروج على الدين.
في كتابه الأخير " المهمشون في التاريخ الإسلامي " يواصل د. محمود إسماعيل رصده للحركات المجهولة والمشوهة في التاريخ الإسلامي المدون، وهو ليس الكتاب الأول في هذا المجال حيث سبقه كتابيه المهمين " فرق الشيعة "، " الحركات السرية في الإسلام " وقد عالج فيهما الدكتور محمود إسماعيل العلاقة بين التطورات الاجتماعية ونشوء الفرق الدينية في التاريخ الإسلامي، ويبدو الكتاب الأخير كتتويج – ليس نهائياً – لأبحاثه في هذا الموضوع، وقد صرح الدكتور محمود إسماعيل في مقدمة الكتاب أن غايته الأساسية هو تقديم تاريخ لحركات المهمشون في صورة مقالات مبسطة للمثقفين العاديين لنشر الوعي التاريخي والذي يؤكد الكاتب على أهميته في قراءة حاضرنا المعقد والمضبب في آن، ولعل هذا ما يفسر عدم احتواء الكتاب على أي هوامش توثيقية، على أساس أن الكتاب هو تجميع مختصر لنتائج أبحاثه ودراساته في كتبه السابقة.
في هذا الإصدار الأخير قدم د. محمود إسماعيل عدة نماذج لحركات وهبات المهمشين، وقد راعى أن تكون متضمنة لكافة الأشكال والأساليب التي استخدمها العوام في الثورة، وقد تنوعت ما بين الهبات العفوية، والثورات المنظمة التي امتلكت فكراً عقائدياً وبرنامجاً بديلاً للوضع القائم، وأخيراً التنظيمات العشوائية والتي رغم صدامها مع السلطة لم تكن تمتلك أي برنامج أو أهداف تسعى لتحقيقها، ورغم هذا التنوع فقد افتقد هذا الكتاب الإشارة إلى بعض الثورات الأخرى للمهمشين كانت أكثر قوة وأوسـع تأثيراً، لعل أهمها ثورة " بابك الخُرمي " في آذربيجان، والثورة " السربدارية " في خُراسان، والواقع أن أحد سلبيات هذا التنوع هو وضع هذه الأشكال من التعبير الثوري في مستوى واحد فقد افتقد الكتاب تقييماً نهائياً لمدى جدوى هذه الأشكال من التعبير الثوري في تحقيق مصالح الكادحين، ورغم أن الأبحاث ذاتها احتوت على انتقادات خاصة بكل حركة إلا أنها لم تتطرق إلى نقد الشكل الأصلي بقدر ما انتقدت الممارسات التفصيلية.
يبدو واضحاً من مقالات الكتاب استهدافها لتأكيد عدة قواعد في تاريخ الثورات الاجتماعية استقاها الدكتور محمود إسماعيل من أبحاثه الطويلة في هذا المجال :
1 – عدم براءة المادة التاريخية المتاحة.
2 – دور البرجوازية في رعاية الحركات التنويرية والثورية للمهمشين.
3 – ضعف الوعي الطبقي في هذه المرحلة من التاريخ الإسلامي.
4 – وحدة تاريخ العالم الإسلامي من حيث حركيته وصيرورته.
5 – الدور الثانوي للمذاهب الدينية في الصراع الطبقي.
إن مناقشة هذه القواعد تمثل في الواقع مناقشة لجزء كبير من رؤية الدكتور محمود للتاريخ الإسلامي والتي تتضح في كتاباته عموماً وعلى الأخص الكتاب الأكثر أهمية في هذا المجال، والذي يمثل مشروعه الفكري والتاريخي " سوسيولوجيا الفكر الإسلامي