السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صلى الله على سيدنَا مُحَمَّد أما بعد حمد الله وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه
أحداث تاريخية مفصلة عن الأدوار والمراحل التي مر بها القادة الريفيون أولاد الريفي التمسماني،
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف مَاتَ الْقَائِد عبد الله الروسي بمكناسة وفيهَا غضب السُّلْطَان على أهل فاس وَبعث إِلَيْهِم حمدون الروسي وأخاه أَبَا عَليّ وَأمرهمْ بمصادرتهم وَقبض المَال مِنْهُم فبعثوا علماءهم وأشرافهم للشفاعة فَلم يقبل وشرعوا فِي دفع المَال حَتَّى لم يعرف لَهُ عدد وَلم يسلم من الغرامة أحد وتغيب النَّاس فِي تِلْكَ الْمدَّة وخلت الْمَدِينَة من ذَوي الْيَسَار
وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا فِي الْمحرم مِنْهَا خرج عَسْكَر الإصبنيول من سبتة على حِين غَفلَة من الْمُسلمين فَضربُوا فِي محلتهم واستولوا عَلَيْهَا وعَلى خباء الْقَائِد أبي الْحسن عَليّ بن عبد الله الريفي ونهبوا وَقتلُوا وسلبوا
رحم الله القائد الكبير الفاتح العظيم ( أبي الحسن )
على بن عبد بن حدوا لحمامي الريفي"
وجزاه اله خير عن أعماله العظيمة وجهاده قَائد المجاهدين عَليّ بن عبد الله الريفي في بناء ما تهدم من أسوارها ومساجدها في فاتح جمادى الأولى من السّنة قلت وأعقاب هَذَا القائد لا زالوا الْيوم بطنجة وكثيرا ما تكون فيهم الرياسة هنالك
رحم الله القَائد الثائر قائد المجاهد أَبو العباس أَحمد بن علي الريفي كان يَلي رئاسة الْمُجَاهدين هم وأَبوهُ من قبله بالثغور الهبطية أَيَّام السلطَان الْمولى إِسماعِيل رَحمه الله وكانت لهُ ولأبيه اليَد البيضاء في فتح طنجة والعرائش وَغَيرهمَا حَسبما سلف بعضه فكانت لهُ بذلك وجاهة كَبيرة في الدولة خُصوصا بِبِلَاد الهبط
الْعَسْكَر المحاصر للمهدية قد أشرف على فتحهَا وتوقفوا على حُضُوره فَنَهَضَ رَحمَه الله إِلَيْهِم حَتَّى حضر الْفَتْح وَأخرج رَئِيس النَّصَارَى فَأَمنهُ وَأمن أَصْحَابه وَكَانُوا ثَلَاثمِائَة وَسِتَّة أنفس وَأما الْغَنِيمَة فقد أحرزها المجاهدون من أهل الفحص والريف الَّذين كَانُوا مرابطين عَلَيْهَا مَعَ الْقَائِد عمر بن حدو البطوئي الريفي وَرجع السُّلْطَان إِلَى مكناسة بعد أَن أنزل بالمهدية طَائِفَة من عبيد السوس لعمارتها وسد فرجتها وَحضر هَذَا الْفَتْح جمَاعَة من متطوعة أهل سلا مِنْهُم الْوَلِيّ الصَّالح أَبُو الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد حجي من صلحائها الْمَشْهُورين بهَا وَاعْلَم أَن السُّور العادي الَّذِي الْيَوْم بالمهدية هُوَ من بِنَاء البرتغال أَيَّام استيلائهم عَلَيْهَا فِي دولة الوطاسيين كَمَا مر
وَلما فرغ المجاهدون من أَمر المهدية ارتحلوا مَعَ أَمِيرهمْ عمر بن حدو فَأَصَابَهُ الوباء فَمَاتَ فِي الطَّرِيق وَتَوَلَّى رئاسة الْمُجَاهدين أَخُوهُ الْقَائِد أَحْمد بن حدو تقسمها هُوَ والقائد أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله الريفي وَكَانَ أَوْلَاد الريفي هَؤُلَاءِ من الشُّهْرَة فِي الْجِهَاد والمكانة فِي الشجَاعَة ومكائد الْحَرْب بِمَنْزِلَة أَوْلَاد النقسيس وَأَوْلَاد أبي الليف وأضرابهم رحم الله الْجَمِيع
قد تقدم لنا أَن طنجة صَارَت إِلَى جنس النجليز من يَد البرتغال واستمرت بِيَدِهِ إِلَى سنة خمس وَتِسْعين وَألف فعقد السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل رَحمَه الله للقائد أبي الْحسن عَليّ بن عبد الله الريفي على جَيش الْمُجَاهدين وَوَجهه لحصار طنجة فضيقوا على من بهَا من النَّصَارَى وطاولوهم إِلَى أَن ركبُوا سفنهم وهربوا فِي الْبَحْر وتركوها خاوية على عروشها وَذَلِكَ فِي ربيع الأول سنة خمس وَتِسْعين وَألف قَالَه فِي النزهة وَقَالَ فِي الْبُسْتَان لما ضَاقَ الْأَمر على النَّصَارَى الَّذين بطنجة وَطَالَ عَلَيْهِم الْحصار خربوها وهدموا أسوارها وأبراجها وركبوا سفنهم وتركوها فَدَخلَهَا الْمُسلمُونَ من غير طعن وَلَا ضرب وَشرع قَائِد الْمُجَاهدين عَليّ بن عبد الله الريفي فِي بِنَاء مَا تهدم من أسوارها ومساجدها فِي فاتح جُمَادَى الأولى من السّنة قلت وأعقاب هَذَا الْقَائِد لَا زَالُوا الْيَوْم بطنجة وَكَثِيرًا مَا تكون فيهم الرياسة هُنَالك
وَفِي أَوَاخِر الْمحرم من هَذِه السّنة أوقع جَيش الْمُسلمين بنصارى طنجة فَقتلُوا مِنْهُم نَحْو ثَلَاثمِائَة وَخمسين وانتزعوا مِنْهُم قَصَبَة بأَرْبعَة أبراج وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين نَحْو الْخمسين رَحِمهم الله
وَكَانَ السُّلْطَان قد كتب أَيْضا إِلَى عماله بالأمصار بِأَن يشتروا لَهُ العبيد وَالْإِمَاء من فاس ومكناسة وَغَيرهمَا من حواضر الْمغرب عشرَة مَثَاقِيل للْعَبد وَعشرَة مَثَاقِيل للْأمة فاستوعبوا مَا وجدوا حَتَّى لم يبْق عِنْد أحد عبد وَلَا أمة فَاجْتمع مِمَّا اشْتَرَاهُ الْعمَّال ثَلَاثَة آلَاف أُخْرَى فكساهم السُّلْطَان وسلحهم وَبعث بهم إِلَى الْمحلة بعد أَن عين لَهُم قوادهم ثمَّ أَن ابْن العياشي قدم بدفتر فِيهِ أَلفَانِ من العبيد فيهم المتزوج والعزب فَكتب السُّلْطَان إِلَى الْقَائِد أبي الْحسن عَليّ بن عبد الله الريفي صَاحب بِلَاد الهبط أَن يَشْتَرِي للأعزاب مِنْهُم الْإِمَاء ويكسوهم ويعطيهم السِّلَاح من تطاوين ويعين لَهُم قوادهم وَيبْعَث بهم إِلَى الْمحلة فَصَارَ الْمَجْمُوع ثَمَانِيَة آلَاف وَهَذَا الْعدَد هُوَ الَّذِي نزل أَولا بهَا
وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة مائَة وَألف فِي آخر شَوَّال مِنْهَا سَار الْقَائِد أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن حدو البطوئي فِي جمَاعَة من الْمُجَاهدين لحصار العرائش وَكَانَ الإصبنيول خذله الله قد استولى عَلَيْهَا على يَد الشَّيْخ بن الْمَنْصُور السَّعْدِيّ كَمَا مر فَنزل الْقَائِد أَبُو الْعَبَّاس الْمَذْكُور عَلَيْهَا وضيق على الْكفَّار الَّذين بهَا وحاصرهم نَحوا من ثَلَاثَة أشهر وَنصف كَذَا فِي النزهة وَقَالَ المؤرخ منويل إِن مُدَّة الْحصار كَانَت خَمْسَة أشهر قَالَ وَكَانَ طاغية الفرنسيس وَهُوَ لويز الرَّابِع عشر قد أعَان الْمولى إِسْمَاعِيل على فتح العرائش وحاصرها بحرا بِخمْس فراقط وَقطع عَنْهَا الْمَادَّة مُدَّة ثمَّ أقلع عَنْهَا ثمَّ بعد ذَلِك كَانَ الْفَتْح قَالَ فِي النزهة فتحهَا الْمُسلمُونَ بعد معاناة شَدِيدَة وَذَلِكَ أَنهم حفروا المينات تَحت خَنْدَق سورها الموَالِي للمرسى وملؤوها بارودا ثمَّ أوقدوها بالنَّار فنفطت وَسقط جَانب من السُّور فاقتحم الْمُسلمُونَ مِنْهُ وتسلقوا إِلَى مَا كَانَ من النَّصَارَى على الأسوار فَوَقَعت ملحمة عَظِيمَة وفر باقيهم إِلَى حصن القبيبات الَّذِي بناه الْمَنْصُور السَّعْدِيّ واعتصموا بِهِ يَوْمًا وَلَيْلَة فخامر قُلُوبهم الْجزع وطلبوا الْأمان فَأَمنَهُمْ الْقَائِد أَبُو الْعَبَّاس الْمَذْكُور على حكم السُّلْطَان فنزلوا عَلَيْهِ فَأخذُوا أُسَارَى بأجمعهم وَلم يعْتق مِنْهُم إِلَّا أَمِيرهمْ وَحده وَتمّ الْفَتْح وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن عشر من الْمحرم سنة إِحْدَى وَمِائَة وَألف وَمَا فِي الْبُسْتَان وقلده صَاحب الْجَيْش أَن نَصَارَى العرائش اعتصموا بحصن القبيبات سنة كَامِلَة خطأ لَا يعول عَلَيْهِ
وَكَانَ عدد نَصَارَى العرائش قبل الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِم ثَلَاثَة آلَاف وَمِائَتَيْنِ
وَلما ظفر بهم الْمُسلمُونَ أَسرُّوا مِنْهُم نَحْو أَلفَيْنِ وَقتلُوا مِنْهُم اثْنَتَيْ عشرَة مائَة وَوجد بهَا من البارود وَالْعدة مَا لَا يُحْصى كَثْرَة فَمن المدافع نَحْو مائَة وَثَمَانِينَ مِنْهَا اثْنَان وَعِشْرُونَ من النّحاس وَالْبَاقِي من الْحَدِيد وَمِنْهَا مدفع يُسمى الغصاب طوله خَمْسَة وَثَلَاثُونَ قدما بِالْحِسَابِ وَوزن كرته خَمْسَة وَثَلَاثُونَ رطلا بِحَيْثُ حلق عَلَيْهِ بِقرب خزانته أَرْبَعَة رجال كَذَا سمع من المشاهدين لذَلِك بعد السُّؤَال كَذَا فِي النزهة قَالَ منويل فِي كِتَابه إِن النَّصَارَى مَا أَسْلمُوا أنفسهم حَتَّى شرطُوا شُرُوطًا مُعْتَبرَة لَكِن السُّلْطَان نكث اه قلت حكى أَبُو الْقَاسِم العميري فِي فهرسته مَا حَاصله أَن نَصَارَى العرائش ادعوا أَن الْفَتْح الْمَذْكُور إِنَّمَا كَانَ صلحا وتأمينا لَا عنْوَة ثمَّ لما طَال النزاع فِي ذَلِك أَمر السُّلْطَان قَاضِي حَضرته المكناسية أَبَا عبد الله مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي مَدين بِبَيَان الحكم فِي ذَلِك فَأجَاب جَوَابا طَويلا حرر فِيهِ حكم الشَّرِيعَة المحمدية بِمَا لاغاية فَوْقه وَحكم على أُولَئِكَ النَّصَارَى بالأسر وَقد ذكر ذَلِك بِتَمَامِهِ فِي الفهرسة الْمَذْكُورَة فَلْينْظر هُنَالك وَأمر السُّلْطَان رَحمَه الله بإشخاص أُولَئِكَ النَّصَارَى إِلَى مكناسة الزَّيْتُون وَكَانُوا ألفا وَثَمَانمِائَة على مَا فِي الْبُسْتَان فَكَانَ يستخدمهم مَعَ غَيرهم من المساجين والأسرى فِي بِنَاء قصوره بِالنَّهَارِ ويبيتون لَيْلًا فِي الدهليز وَهُوَ فِي عرف المغاربة هري تَحت الأَرْض وأسكن السُّلْطَان رَحمَه الله أهل الرِّيف العرائش وَأمر قائدهم أَن يَبْنِي بهَا مسجدين وحماما وَيَبْنِي دَاره بقلعتها وَفِي فتح العرائش أنْشد الْخَطِيب البليغ أديب فاس ومفتيها أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الشريف البوعناني فَقَالَ
(أَلا أبشر فَهَذَا الْفَتْح نور ... قد انتظمت بعزكم الْأُمُور)
(وطير السعد نَادَى حَيْثُ غنى ... قد انشرحت بفتحكم الصُّدُور)
(وضوء النَّصْر ساعده التهاني ... وَنور الْفَخر نحوكم يَدُور)
(وَقد وافتكم الْخيرَات طرا ... وطاب الْعَيْش واتصل السرُور)
(حميتم بَيْضَة الْإِسْلَام لما ... بِعَين الْحق قد حرس الثغور)
(وجاهدتم وقاتلتم فَأنْتم ... لدين الله أقمار تنير)
(وأطلعتم صوارمكم نجوما ... لَدَى هيجاء صَاحبهَا كفور)
(فَأَنت الْبَدْر يَوْم السّلم حسنا ... فِي يَوْم الوغا الْأسد الهصور)
(وَفِي ثغر العرائش قد تبدى ... لقد ركم على الشعرى الظُّهُور)
(لقد كَانَ الْمُلُوك فساوموها ... وراموها وَبَان لَهَا نفور)
(فَلَمَّا جاءها انقادت وَقَالَت ... إِلَيْك بِحَق مَوْلَانَا الْمصير)
(ملكت قياد عزتها بذل ... فَمَا أغْنى الْحصار وَلَا العبور)
(قهرتم بأبطال ضخام ... على الهيجاء كلهم جسور)
(فكم رَأس من الْكفَّار أَمْسَى ... قطيع الرَّأْس مجرورا يخور)
(وَكم نحر قلادته رماح ... وَسن الرمْح مركزه النحور)
(وَكم أسرى وَكم قَتْلَى بِأَرْض ... وَكم جرحى دِمَاؤُهُمْ تَفُور)
(تمر بهَا الطُّيُور فتنتقيها ... وَبَات الذِّئْب وَهُوَ لَهَا شكور)
(وأضحى النَّاس كلهم نشاوى ... على طرب وَمَا شربت خمور)
(فبشراكم بِهَذَا الْفَتْح نور ... وبشراكم بِمَا من الغفور)
(بِهِ زَادَت مآثركم علوا ... وَقد عظمت بِهِ لكم الأجور)
(أَلا يَا معشر الْكفَّار هَذَا ... يبددكم وَلَيْسَ لَهُ فتور)
(أَلا يَا أهل سبتة قد أَتَاكُم ... بِسيف الله سُلْطَان وقور)
(إِذا مَا جَاءَ سبتة فِي عشي ... تناديه إِذا كَانَ البكور)
(ووهران تنادي كل يَوْم ... مَتى يَأْتِي الإِمَام مَتى يزور)
(مَتى يَأْتِي ويفتحها سَرِيعا ... وَيلْحق أَهلهَا مِنْهُ ثبور)
(فيهزمهم ويقتلهم وَيَسْبِي ... وَسيف الْحق فِي يَده ينور)
(أيا مولَايَ قُم وانهض وشمر ... لأندلس فَأَنت لَهَا الْأَمِير)
(وجاهدهم وحاربهم وَفرق ... جموعهم فربكم النصير)
(وَلَا يمْنَع بِفضل الله مِنْهَا ... كَمَا قد قيل بر أَو بحور)
(لِسَان الْحَال ينشد كل يَوْم ... وَمعنى الْحَال تفهمه الصُّدُور)
(بقرطبة تنَال الْمجد طرا ... وَيَأْتِي الْعِزّ وَالْملك الْكَبِير)
(وذلكم بعون الله سهل ... وَمن بركاتكم أَمر يسير)
(أيا مولَايَ إِسْمَاعِيل هَذَا ... عبيدكم الضَّعِيف المستجير)
(يناديكم بناديكم وَيَدْعُو ... دُعَاء لَا تعييه الدهور)
(فيارب الْبَريَّة ياإلهي ... وَيَا رَحْمَن يَا نعم المجير)
(أثب هَذَا الْأَمِير بِكُل خير ... وَلَا تجْعَل تِجَارَته تبور)
(وأبق الْملك فِيهِ وَفِي بنيه ... وَلَو كرهت زيود أَو عمور)
(وَنحن رعية نرجو هناء ... وبالسلطان تنتظم الْأُمُور)
(عَلَيْكُم من عبيدكم سَلام ... مدى الدُّنْيَا يضمخه العبير)
(يعم جنابكم مَا قَالَ صب ... أَلا أبشر فَهَذَا الْفَتْح نور)
وَقَالَ فِي ذَلِك الْفَقِيه الْعَالم الْوَرع الشيهر أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام بن حمدون جسوس رَحمَه الله
(رفعت منَازِل سبتة أقوالها ... تَشْكُو إِلَيْكُم بِالَّذِي قد هالها)
(مَعَ بادس وبريجة فتعطفوا ... وتنبهوا كي تسمعوا تساءلها)
(يَابْنَ النَّبِي الْهَاشِمِي مُحَمَّد ... قل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا لَهَا)
(فَلَقَد قضيتم للعرائش حَاجَة ... مَعَ طنجة فاقضوا لذِي آمالها)
(عَار عَلَيْكُم أَن تكون أسيرة ... بجواركم وجنودكم تغزى لَهَا)
(إِن لم تَكُونُوا آخذين بثأرها ... من ذَا يفك من الوثاق حبالها)
(لَا تسمعن من جَاهِل ومثبط ... وَمصْعَب من جَهله أحوالها)
(إِن الَّذين تقدمُوا قد جاهدوا ... بنفوسهم وبمالهم أَمْثَالهَا)
(فتملكوا أملاكها وديارها ... وتقسموا أموالها ورجالها)
(فَابْعَثْ لَهَا أهل الشجَاعَة عَاجلا ... حَتَّى تراهم نازلين جبالها)
(وأمدهم بمؤونة ومعونة ... كَيْفَمَا تقطع بالعدا أوصالها)
(وارفع لهَذَا الغرب رَأْسا إِنَّه ... فِي الضعْف مَا دَامَ العدا أنزالها)
(أبقاك رَبِّي للخلافة عدَّة ... تقفو الشَّرِيعَة مؤثرا أفعالها)
(وَاقْبَلْ هَدِيَّة من أَتَى بنصيحة ... يَبْغِي الثَّوَاب وَلَا تقل من قَالَهَا)
وَقَالَ فِي ذَلِك الشريف الأديب أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام بن الطّيب القادري
(علا عرش دين الله من كل العرائش ... وهد بنصر الله قصر العرائش)
وَهِي طَوِيلَة انظرها فِي نشر المثاني إِن شِئْت ثمَّ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول من هَذِه السّنة نهى السُّلْطَان عَن لبس النِّعَال السود ونادى فِي سَائِر أَمْصَار الْمغرب وَأمر بِلبْس النِّعَال الصفر مَكَانهَا لما قيل من أَن النَّاس اتَّخذُوا النِّعَال السود مُنْذُ استولى النَّصَارَى على العرائش على يَد الْمَأْمُون السَّعْدِيّ كَمَا تقدم وَفِي أَوَائِل ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة قتل السُّلْطَان ثَلَاثَة وَسِتِّينَ رجلا من الطَّائِفَة المسمون بالعكاكزة
وَلما فرغ المجاهدون من أَمر العرائش عَمدُوا إِلَى مَدِينَة آصيلا فنزلوا عَلَيْهَا وحاصروا النَّصَارَى الَّذين بهَا سنة كَامِلَة وأظنهم الإصبنيول إِلَى أَن بلغ بهم الْحصار كل مبلغ فطلبوا الْأمان فأمنوهم على حكم السُّلْطَان وَلما لم يطمئنوا لذَلِك ركبُوا من اللَّيْل سفنهم ونجوا إِلَى بِلَادهمْ وَدخل الْمُسلمُونَ الْمَدِينَة فملكوها وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة وَألف وعمرها أهل الرِّيف أَيْضا وَبنى بهَا قائدهم مسجدين ومدرسة وحماما وَبنى دَاره بقلعتها وَالله أعلم
ثمَّ سَار المجاهدون بعد الْفَرَاغ من آصيلا إِلَى سبتة فنزلوا عَلَيْهَا وحاصروها واستأنفوا الْجد فِي مقاتلتها وأمدهم السُّلْطَان بعسكر من عبيده وَأمر قبائل الْجَبَل أَن تعين كل قَبيلَة حصَّتهَا للمرابطة على سبتة وَكَذَلِكَ أَمر أهل فاس أَن يبعثوا بحصتهم إِلَيْهَا فَكَانَ عدد المرابطين عَلَيْهَا خَمْسَة وَعشْرين ألفا وَتقدم السُّلْطَان إِلَيْهِم فِي الْجد وَالِاجْتِهَاد فَكَانَ الْقِتَال لَا يَنْقَطِع عَنْهَا صباحا وَمَسَاء وَطَالَ الأمد حَتَّى أَن السُّلْطَان رَحمَه الله اتهمَ القواد
الَّذين كَانُوا على حصارها بِعَدَمِ النصح فِي افتتاحها لِئَلَّا يبْعَث بهم بعْدهَا إِلَى حِصَار البريجة فيبعدوا عَن بِلَادهمْ مَعَ أَنهم قد سئموا كَثْرَة الْأَسْفَار ومشقات الحروب وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن مَاتَ الْقَائِد أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله الريفي وَولى بعده ابْنه الْقَائِد أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ والقتال لَا زَالَ وَالْحَال مَا حَال وَفِي كل سنة يتعاقب الْغُزَاة عَلَيْهَا وَالسُّلْطَان مشتغل بتمهيد الْمغرب ومقاتلة برابرة جبل فازاز وَغَيرهم وَلم يهيىء الله فتحهَا على يَدَيْهِ وَدَار الْقَائِد أَحْمد بن عَليّ ومسجده اللَّذَان بناهما بِإِزَاءِ سبتة أَيَّام الْحصار لَا زَالا قائمي الْعين والأثر إِلَى الْيَوْم وَحكى الغزال فِي رحلته أَنه رأى بِأحد أَبْوَاب سبتة خرقا قَدِيما لم يصلح فَسَأَلَ أَهلهَا عَنهُ فَقَالُوا إِنَّه من أثر الرَّمْي الَّذِي كَانَ يرميه الْجَيْش الْإِسْمَاعِيلِيّ وَهُوَ أثر كرة خرقت الْبَاب ونفذت إِلَى دَاخل الْبَلَد وَتَرَكْنَاهُ على حَاله ليعتبر بِهِ من يَأْتِي بَعدنَا ويزداد احْتِيَاطًا وحزما أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَالله تَعَالَى أعلم
الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى
فترة ما بعد وفاة السلطان إسماعيل العلوي تم اسْتِيلَاء العبيد على الدولة وقد برز شؤم أفتياتهم عَلَيْهَا وتحكمهم فِي أعياصها طوع أهوائهم وَحسب أغراضهم
إغارة الْقَائِد أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الريفي على تطاوين وَمَا دَار بَينه وَبَين الْفَقِيه أبي حَفْص عمر الوقاش
كَانَ الْقَائِد الْمُجَاهِد أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الريفي يَلِي رئاسة الْمُجَاهدين هم وَأَبوهُ من قبله بالثغور الهبطية أَيَّام السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل رَحمَه الله وَكَانَت لَهُ ولأبيه الْيَد الْبَيْضَاء فِي فتح طنجة والعرائش وَغَيرهمَا حَسْبَمَا سلف بعضه فَكَانَت لَهُ بذلك وجاهة كَبِيرَة فِي الدولة خُصُوصا بِبِلَاد الهبط وَكَانَ بتطاوين يَوْمئِذٍ الْفَقِيه الأديب أَبُو حَفْص عمر الوقاش من بيوتاتها وَأهل الرياسة بهَا كَانَ أَولا كَاتبا مَعَ السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل رَحمَه الله وَكَانَت لَهُ الْمنزلَة الْعَالِيَة عِنْده ثمَّ لما ضعف عَن الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة بكبر سنه
ولاه على تطاوين وأعمالها فَحدثت بَينه وَبَين الْقَائِد أبي الْعَبَّاس الريفي مُنَافَسَة أوجبتها الْمُجَاورَة والمعاصرة فَكَانَ يبلغ كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه مَا يحفظه وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن توفّي السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل رَحمَه الله وأفضى الْأَمر إِلَى ابْنه الْمولى أَحْمد فضيع الحزم وأهمل أَمر الْجند حَتَّى سَقَطت هَيْبَة السُّلْطَان من قُلُوب الْوُلَاة فِي النواحي فانتهز أَبُو الْعَبَّاس الريفي الفرصة فِي أهل تطاوين وزحف إِلَيْهَا فِي جَيش كثيف ودخلها على حِين غَفلَة من أَهلهَا وحاول الفتك فيهم فبرز إِلَيْهِ الْفَقِيه أَبُو حَفْص الوقاش فِي أهل تطاوين وحاربه فانتصر عَلَيْهِ وأوقع بِهِ وقْعَة أعظم مِمَّا كَانَ أضمر لَهُ وَقتل من إخوانه عددا كثيرا وَنَجَا الْقَائِد أَبُو الْعَبَّاس بجريعة الذقن
وَلما اتّفق للفقيه أبي حَفْص هَذَا الْفَتْح الَّذِي لم يكن لَهُ فِي حِسَاب استخفه النشاط وغلبت عَلَيْهِ حلاوة الظفر حَتَّى طمع فِي الْملك وفاه من ذَلِك بِمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ وَلكُل عَاقل كِتْمَانه فَقَالَ قصيدته الْمَشْهُورَة ينعي فِيهَا على أهل الرِّيف فعلتهم وينتقص دولتهم ويفتخر على أهل فاس فَمن دونهم ويخبر عَن نَفسه بِمَا يؤول إِلَيْهِ أمره فأزرى بأدبه على كبر سنه مَعَ أَنه كَانَ من أهل الْأَدَب البارع وَالْعلم والرياسة وَالْقَصِيدَة الْمشَار إِلَيْهَا هِيَ قَوْله
(بلغت من الْعليا مَا كنت أرتجي ... وأيامنا طابت وغنى بهَا الطير)
(ونادى البشير مفصحا ومصرحا ... هَلُمَّ أباحفص فَأَنت لَهَا الصَّدْر)
(نهضت مجيبا للندا راقصا بِهِ ... وَمَا راعني إِذْ ذَاك زيد وَلَا عَمْرو)
(شرعت بِحَمْد الله للْملك طَالبا ... وَقلت وللمولى المحامد وَالشُّكْر)
(أَنا عمر الْمَعْرُوف إِن كنت جاهلي ... فسل تَجِد التَّقْدِيم عِنْدِي وَلَا فَخر)
(أَنا عمر الْمَوْصُوف بالبأس والندى ... أَنا عمر الْمَذْكُور فِي ورد الجفر)
(ظَهرت لأحيي الدّين بعد اندراسه ... فطوبى لمن أَمْسَى يساق لَهُ الْأَمر)
(وَلم يبْق ملك يستتب بغربنا ... فعندي انْتهى الْعلم المبرح والسر)
(أَنا عمر الْمَشْهُور فِي كل غَارة ... أَنا البطل الْمِقْدَام والعالم الحبر)
(ضبطت بلادي وانتدبت لغَيْرهَا ... وَعَما قَلِيل يعظم الجاه وَالْقدر)
(وَجئْت بِعدْل للإمامين تَابعا ... أَنا الثَّالِث الْمَذْكُور بعدهمَا وتر)
يَعْنِي أَنه ثَالِث العمرين وَقد كَانَ يُصَرح بذلك ثمَّ قَالَ
(ففرطوط والرحمون والكوط عصبتي ... وراغون كنزي وَالصَّغِير بِهِ الْقَهْر)
(أُولَئِكَ أَنْصَارِي وأرباب دَوْلَتِي ... وَأَهلي وأصهاري هم الأنجم الزهر)
(وَقد دَامَ بالديمان مجدي وسؤددي ... وفخري فِي الأقطار باد كَمَا الْفجْر)
(هلالي بدا لما هلالي أجابني ... وغيلان إِذْ لبّى بِهِ عظم الوفر)
(ودولة أهل الرِّيف حتما تمزقت ... فَلم يبْق بالتحقيق عِنْدِي لَهَا جبر)
(أذقناهم لما أَتَوا شَرّ بأسنا ... فَأَبَوا سرَاعًا والصوارم والسمر)
(تطير الأكف والسواعد مِنْهُم ... هَنِيئًا فَحق للأنام بِنَا الْبشر)
(بخفي حنين آب عَنَّا كَبِيرهمْ ... وَمَا فَاتَهُ منا نكال وَلَا خسر)
(فَمن ذَا يضاهيني وَمَالِي وافر ... وذكري مغمور بِهِ الْبر وَالْبَحْر)
إِلَى غير هَذَا مِمَّا لَا غَرَض لنا فِي جلبه وَقد أَجَابَهُ الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن بجة الريفي ثمَّ العرائشي بقصيدة يَقُول فِيهَا
(فِي صفحة الدَّهْر قد خطت لنا عبر ... مِنْهَا ادِّعَاء الْحمار أَنه بشر)
(من مر عَنهُ الصِّبَا وَمَا رأى عجبا ... خَبره بعجاب دهره الْكبر)
وَهِي طَوِيلَة إِلَّا أَن قَائِلهَا لم يحكم صناعَة الشّعْر فَلِذَا تركناها
وَلما اتَّصل خبر هَذِه الْوَقْعَة بأمير الْمُؤمنِينَ الْمولى أَحْمد رَحمَه الله أغضى عَن الْفَرِيقَيْنِ وَدخل دَاره وَعَكَفَ على ملذاته وَترك النَّاس وشأنهم وثار بِبِلَاد الغرب وَالْقصر وأعماله فَسَاد كَبِير بَين الْقَبَائِل وَأَصْحَاب المخزن وَهلك فِي ذَلِك بشر كثير وَسَقَطت هَيْبَة الْخلَافَة وانحل نظام الدولة بالمرة لَا سِيمَا مَعَ مَا دهاها من قتل رجالها القائمين بأمورها وَكَانَ ذَلِك مُنْتَهى مُرَاد العبيد فقد كَانَ عَليّ بن يشي أَمِير الْأُمَرَاء وَرَئِيس البربر وَغَيرهم وَكَانَ الباشا أَحْمد بن عَليّ أَمِير جبال مرموشة وَبني وراين وعرب الحياينة وبرابرة غياثة وَالْجِبَال
اضطربت الأحوال بعد وفاة إسماعيل وتنازع أبناءه على العرش فأخضع الباشا أحمد الريفي الذي وصفه المؤرخ الضعيف بأنه "كان لا يحب الجور ولا يأخذ أموال الناس بالباطل" القبائل الشمالية تحت طاعة "المولى عبد الله" غير أن خلافا معه جعله يعدل عن بيعته، فتواجها في معركة قرب القصر الكبير قتل فيها الباشا الريفي غدرا. ويقول الناصري أن"جماعة من المجاهدين أهل الريف من طنجة فوق المائة ومعهم زوجة الباشا أحمد الريفي وولداها منه، فقدمت هدية عظيمة. فقبض السلطان الهدية وقتل الولدين ومن معها من أهل الريف" عن الريف قبل الحماية.ص56. ويعقب الباحث الذي ننقل عنه ويعلق على هذا الحدث الخطير والمؤثر العنيف بقوله:" ولا شك أن لهذه الحادثة وقعا سيئا على مجموع القبائل الريفية نظرا للروابط الدموية التي تجمع بين سكان الريف والمجاهدين المستقرين بطنجة،وربما كانت السبب في عدم دخول القبائل الريفية في طاعة السلطان" ص57.
السُّلْطَان الْمولى عبد الله
قدم عَلَيْهِ أَيْضا وَفد من عِنْد الباشا أَحْمد بن عَليّ الريفي فِي مثل هَذَا الْعدَد من طنجة وَمَعَهُمْ هَدِيَّة الباشا الْمَذْكُور فَقَتلهُمْ فَكَانَ قَتلهمْ سَبَب نفرة أَحْمد بن عَليّ عَنهُ وسعيه فِي إِفْسَاد دولته
إِيقَاع الباشا أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الريفي بِأَهْل تطاوين
قد قدمنَا مَا كَانَ من إغارة الباشا أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الريفي صَاحب طنجة على أهل تطاوين وهزيمة أبي حَفْص الوقاش لَهُ وفتكه بِأَصْحَابِهِ فاستحكمت الْعَدَاوَة بَين الريفي والوقاش من يَوْمئِذٍ وَبَقِي الريفي يتربص بِهِ الدَّوَائِر ويترصد لَهُ الغوائل إِلَى أَن بُويِعَ السُّلْطَان الْمولى المستضيء فِي هَذِه الْمدَّة فَلم يقدم عَلَيْهِ أحد من أهل تطاوين وَلَا دخلُوا فِي بيعَته فَوجدَ أَبُو الْعَبَّاس الريفي السَّبِيل بذلك إِلَيْهِم وأغرى بهم السُّلْطَان الْمَذْكُور ودس إِلَيْهِم أَنهم شَقوا الْعَصَا وخالفوا الْأَمر مَعَ مَا كَانَ قد نقل عَن الْفَقِيه أبي حَفْص فِي تِلْكَ القصيدة من التَّصْرِيح بِطَلَب الْملك فنجع ذَلِك فِي الْمولى المستضيء وَكتب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ يالإيقاع بِأَهْل تطاوين فاغتنمها أَبُو الْعَبَّاس الريفي واقتحم تطاوين فِي جموعه على حِين غَفلَة من أَهلهَا وانتهبها وَقتل من أعيانها نَحْو الثَّمَانمِائَة ووظف على من بَقِي مِنْهُم مَالا ثقيلا وَهدم أسوارها ونظمها فِي سلك مَا كَانَ مستوليا عَلَيْهِ وَبنى بهَا دَار الْإِمَارَة الْمَوْجُودَة الْآن
وصل السُّلْطَان الْمولى المستضيء فاراً من أخيه السلطان عبد بعدما قتل جميع جنود المستضئ بنور لقد وصل الله إِلَى طنجة فَأَقَامَ بهَا نَحْو الشَّهْرَيْنِ عِنْد أَحْمد بن عَليّ الريفي
والباشا أَبُو الْعَبَّاس الريفي صَاحب طنجة يفتل للعبيد فِي الذرْوَة وَالْغَارِب إِلَى أَن بَايعُوهُ ثَانِيَة
خلع الْمولى المستضيء ثمَّ ذهب إِلَى مكناسة وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ سَار إِلَى طنجة فَقدم على صَاحبهَا الباشا أَحْمد بن عَليّ الريفي فَأكْرم وفادته وَأحسن مثواه وَاسْتمرّ مُقيما عِنْده إِلَى أَن كَاتب عبيد الدِّيوَان فِي شَأْنه ووافقوه فِي بيعَته فَبَايعهُ الباشا أَحْمد وَبَايَعَهُ أهل طنجة وتطاوين والفحص وَالْجِبَال وخطبوا بِهِ على منابرهم ثمَّ هيأ لَهُ الباشا أَحْمد كَتِيبَة من الْخَيل من عبيد الدِّيوَان وَغَيرهم وبعثهم مَعَه إِلَى مكناسة فَدَخلَهَا فِي ربيع سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف وبويع بهَا الْبيعَة الْعَامَّة وقدمت عَلَيْهِ وُفُود الْقَبَائِل والأمصار فقابلهم بِمَا يجب وَتمّ أمره
وَفِي آخر الْمحرم الْمَذْكُور ورد كتاب من عِنْد الْقَائِد أبي الْعَبَّاس أَحْمد الريفي إِلَى أهل فاس يَدعُوهُم إِلَى بيعَة مخدومه الْمولى المستضيء وَالدُّخُول فِي طَاعَته فصموا عَن ذَلِك ونبذوه وَفِي ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة زحف الْمولى المستضيء فِي جَيش العبيد إِلَى فاس وعسكر بِظهْر الزاوية خَارِجهَا ففر السُّلْطَان الْمولى عبد الله من دَار الدبيبغ إِلَى آيت دارسن وَمن الْغَد هَاجَتْ الْحَرْب بَين العبيد وَبَين الودايا وَأهل فاس والحياينة وشراقة وَأَوْلَاد جَامع وَهلك فِيهَا من الْفَرِيقَيْنِ عدد كثير وَفِي رَابِع ربيع الثَّانِي
مشايعة الباشا أبي الْعَبَّاس الريفي للْمولى المستضيء على الْمولى عبد الله وزحفه إِلَى فاس وَمَا يتَّصل بذلك
لما دخلت سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَة وَألف أقبل الباشا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن عَليّ الريفي فِي جموع الفحص والجبل والريف قَاصِدا فاسا وأعمالها حَتَّى نزل بالعسال من مزارع فاس وَذَلِكَ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من الْمحرم مِنْهَا وراود أهل فاس على الانحراف عَن طَاعَة مولَايَ عبد الله فَأَبَوا
وَأَقْبل الْمولى المستضيء فِي جموع العبيد وَعَلَيْهِم الْقَائِد فاتح بن النويني حَتَّى نزل قَرِيبا مِنْهُ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من صفر وَلما زحف هَذَانِ الجيشان إِلَى فاس اضْطَرَبَتْ نَوَاحِيهَا ودهش النَّاس من هول هَذَا الريفي لِأَنَّهُ جَاءَ فِي استعداد لم يعْهَد مثله وأرز الحياينة وشراقة وَأَوْلَاد جَامع إِلَى أسوار فاس وَنزلت حللهم داخلها وخارجها وبعثروا مزارعها وجناتها وانتهبوا مواشيها وَهلك الْكثير مِنْهَا جوعا وهزالا وَمَاجَتْ الْفِتْنَة موج الْبَحْر وَارْتَفَعت الأسعار وَلَقي النَّاس كل شدَّة وَفِي كل صباح وَمَسَاء ترْعد المدافع وتقرع الطبول بمحلتي الْمولى المستضيء والريفي فاستعد النَّاس للحرب وَركب السُّلْطَان الْمولى عبد الله من دَار الدبيبغ فِي نَحْو عشرَة من الْخَيل وأسرع إِلَى آيت أدراسن وهم بسهب عشار فَدخل حلَّة عبد الله بن يشي مِنْهُم وقلب سَرْجه وسط جموعهم فالتف عَلَيْهِ من حضر مِنْهُم وَقَالُوا مَا الَّذِي نَاب مَوْلَانَا فَقَالَ جِئتُكُمْ لتنصروني على هَذَا الْجبلي الَّذِي كَانَ خديمنا وعبدنا وأطغاه مَا جمع من المَال فِي خدمتنا ثمَّ أَرَادَ أَن يفضحنا وجرأه علينا أخوانا المستضيء وَأَرَادَ الِاسْتِيلَاء على بِلَادنَا وَهِي فِي الْحَقِيقَة بِلَادكُمْ وَمَا قصد إِلَّا إهانتكم وَأَنْتُم أَحَق من ينصر أهل الْبَيْت وَلَا يتَحَمَّل الْعَار وَعَلَيْكُم السَّلَام ثمَّ ركب فرسه وَرجع عوده على بدئه فَلم يبت إِلَّا بدار الدبيبغ وَمن الْغَد زحف أَحْمد الريفي إِلَّا بِلَاد الحياينة ظنا مِنْهُ أَنهم لَا زَالُوا مقيمين بهَا فَلَمَّا لم يجد بهَا أحدا رَجَعَ إِلَى مَحَله الَّذِي كَانَ بِهِ وَمن الْغَد
كَانَت حَرْب خَفِيفَة بَينه وَبَين الودايا وَمن لافهم من الحياينة وشراقة وَأَوْلَاد جَامع ثمَّ من الْغَد ركب أَحْمد الريفي فِي رماته وَتقدم حَتَّى وقف على كُدَيْنَة تامزيزت فَوق القنطرة وعبرت جموعه لارورات ثمَّ عبر الْمولى المستضيء فِي جموع العبيد وخلفوا رماتهم ومدافعهم وأثقالهم بالمحلة وَكتب الْمولى المستضيء كتائبه وصف جُنُوده بذلك الْبَسِيط وزحف الودايا وَأهل فاس والحياينة وشراقة وَأَوْلَاد جَامع وَجَاءَت البربر بجموعها فأشرفوا عَلَيْهِم بِالْعينِ المقبوة إِلَى دَار ابْن عَمْرو وَلما وَقعت عينهم على جموع الْمولى المستضيء ووزيره الريفي بذلك الْبَسِيط صاحوا بهم وشدوا عَلَيْهِم شدَّة رجل وَاحِد فَكَانَت الْهَزِيمَة واستحر فيهم الْقَتْل وَالسَّلب وازدحموا فِي القنطرة وتساقطوا فِي الْوَادي فَهَلَك الْكثير مِنْهُم والبربر فِي أَثَرهم يقتلُون ويسلبون وَأما الريفي فَإِنَّهُ لما رأى الْهَزِيمَة عَلَيْهِ لم يزدْ على أَن ركب فرسه وَنَجَا بِرَأْس طمرة ولجام على الْحَالة الَّتِي وصفهَا أَبُو الطّيب إِذْ قَالَ
(لَا يَأْمَن النَّفس الْأَقْصَى فيدركه ... فيسرق النَّفس الْأَدْنَى ويغتنم)
وَلم يعرج هَؤُلَاءِ وَلَا أحد من المنهزمة على الْمحلة حَتَّى انْتهى إِلَيْهَا البربر فتركوا اتِّبَاع المنهزمة وَاشْتَغلُوا بنهبها فَأتوا على مَا فِيهَا من الأخبية والكراع والأثاث الفاخر وَلم يتْركُوا بهَا إِلَّا المدافع والمهاريس وآلتها من كور وبنب وبارود فَإِن الْقَائِد أَبَا عزة صَاحب الشربيل وقف على ذَلِك حَتَّى حازه وَعَاد النَّاس وَقد امْتَلَأت أَيْديهم من الْغَنَائِم فَلَقِيَهُمْ طوائف من البربر لم يَكُونُوا قد شهدُوا الْوَقْعَة فاستلبوا مَا بِأَيْدِيهِم
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان حَدثنِي السُّلْطَان المرحوم سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله عَن هَذِه الْوَقْعَة وَكَانَ قد شَهِدَهَا وَهُوَ فِي سنّ الْبلُوغ قَالَ بَعَثَنِي وَالِدي مَعَ أخوالنا الودايا فَلَمَّا هبت ريَاح النَّصْر وَانْهَزَمَ الْعَدو فِي سَاعَة وَاحِدَة وَكنت يَوْمئِذٍ فِي خمسين فَارِسًا بَين ودايا وَأَصْحَاب تقدمنا إِلَى الْمحلة فوقفنا على قبَّة الباشا أَحْمد وأحرزناها ثمَّ أمرت الحمارة فحملوا لنا من صناديق
الريال على عشْرين بغلة وَمن الملف والكتان على ثَلَاثِينَ جملا لعرب بداوة أَصْحَاب الْإِبِل وحملوا لنا قبتين إِحْدَاهمَا لِأَحْمَد الريفي وَالْأُخْرَى أظنها للْمولى المستضيء وَأما الْعَرَب والبربر والودايا وَأهل فاس فقد أخذت كل طَائِفَة بِنَاحِيَة تحمل مَا قدرت عَلَيْهِ ثمَّ لما انفصلنا عَن الْمحلة قافلين لقيتنا كتائب من البربر الَّذين لم يحضروا الْوَقْعَة وبنفس مَا خالطونا طاروا بِمَا فِي أَيْدِينَا حَتَّى لم ندر أَيْن البغال وَلَا الْإِبِل وَانْفَرَدَ بِكُل بغلة وجمل جمَاعَة من الْخَيل خَمْسُونَ أوستون أَو أَكثر وَلم يجْتَمع منا اثْنَان وعدنا كَمَا جِئْنَا وَهَكَذَا وَقع لكل من انتهب شَيْئا من حزبنا إِلَّا من دخل مَعَ البربر فِي حصتهم وَلما فرغ النَّاس من النهب اشْتغل عبيد السُّلْطَان بِجمع الرؤوس فَكَانَ عَددهَا مَا بَين أَبيض وأسود نَحْو التسْعمائَة فِيهَا رَأس الباشا فاتح بن النويني ثمَّ بعث السُّلْطَان الْمولى عبد الله البغال لجر تِلْكَ المدافع والمهاريس وَحمل الكور والبنب فسيق ذَلِك كُله إِلَى دَار الدبيبغ ثمَّ بعث بغالا أُخْرَى لحمل البارود وَكَانَ ثَلَاثمِائَة برميل فِي كل وَاحِد قِنْطَار من البارود الْجيد فَأدْخل ذَلِك كُله لخزين فاس قَالَ السُّلْطَان المرحوم سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله فِي حَدِيثه وَكَانَ هَذَا أول بعث بَعَثَنِي فِيهِ وَالِدي وَأول حَرْب شهدتها وَأَنا يَوْمئِذٍ فِي سنّ الْبلُوغ وَكَانَ لي ولوع باللعب بِالرُّمْحِ والمطاعنة بِهِ إِلَى أَن مهرت فِيهِ اه كَلَامه
وَلما اجتاز المنهزمة بجبل الزَّبِيب اعْتَرَضَهُمْ أَهله وقاتلوهم فَقتلُوا فِي جُمْلَتهمْ سَيِّدي مُحَمَّد بن المستضيء يَظُنُّونَهُ من أهل الرِّيف ثمَّ خلص الريفي وَأَصْحَابه إِلَى طنجة بعد غصب الرِّيق وَكَانَ أَمر هَذِه الْوَقْعَة فتحا عَظِيما على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله وشيعته
قَالَ فِي نشر المثاني فراجع طَائِفَة من العبيد طَاعَة مولَايَ عبد الله وجاءته قبائل الْمغرب بالهدايا من كل نَاحيَة فتألفهم وألان لَهُم القَوْل وَأمر العبيد بِالْمَسِيرِ إِلَى طنجة لِحَرْب الريفي فَسَارُوا ثمَّ رجعُوا وَلم يلْقوا كيدا
معاودة أَحْمد الريفي غَزْو فاس وَمَا كَانَ من أمره مَعَ السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى حِين مَقْتَله
لما وصل أَحْمد الريفي إِلَى طنجة أَخذ فِي إخلاف مَا ضَاعَ لَهُ ولقومه من خيل وَسلَاح وأخبية وَنَحْوهَا وجدد لجيش العبيد من ذَلِك مَا جدده لأهل الرِّيف وَأخذ فِي الاستعداد لمعاودة غَزْو فاس وَأقسم أَن لَا يَأْكُل لَحْمًا وَلَا يشرب لَبَنًا حَتَّى يدْخل فاسا وينهبها كَمَا انتهبوا محلته
وَبعث إِلَى سُلْطَانه الْمولى المستضيء بِمِائَتي فرس ومائتي خباء وَألف مكحلة وَخمسين ألف مِثْقَال يفرقها على العبيد يتقوون بهَا وَضرب لَهُ موعدا يَجْتَمعُونَ فِيهِ على حَرْب السُّلْطَان الْمولى عبد الله وشيعته من الودايا وَأهل فاس فَكَانَ أَمر الريفي فِيمَا أنفقهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى {فسينفقونها ثمَّ تكون عَلَيْهِم حسرة ثمَّ يغلبُونَ} الْأَنْفَال 36
وَلما كَانَ شهر جُمَادَى الأولى من سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَة وَألف خرج أَحْمد الريفي من طنجة قَاصِدا حَضْرَة فاس فِي أكمل شكة وَأحسن استعداد وَلما انْتهى خَبره إِلَى السُّلْطَان الْمولى عبد الله لم يَسعهُ التَّخَلُّف عَن لِقَائِه فَكتب إِلَى عرب الحياينة وشراقة وَأَوْلَاد جَامع وَكتب إِلَى عرب الغرب من سُفْيَان وَبني مَالك وَسَائِر شيعته يستنفرهم ويحضهم على نصرته وَفرق الرَّاتِب على العبيد والودايا وزرارة وَأخرج أهل فاس بَعثهمْ الَّذِي عينوه على الْعَادة وَكتب السُّلْطَان إِلَى آيت أدراسن وجروان يُخْبِرهُمْ بعزمه على مصادمة الريفي وَجمعه وَيَقُول لَهُم إِن أردتم المَال وَالْغنيمَة فتأهبوا للنهوض إِلَى طنجة فخف نَاس مِنْهُم وَقدم عَلَيْهِم مِنْهُم أَلفَانِ من الْخَيل وَأكْثر مِنْهَا رُمَاة
ثمَّ خرج السُّلْطَان من فاس أَوَاخِر جُمَادَى الأولى وَنزل على وَادي سبو وَأقَام بِهِ إِلَى أَن عرض عساكره ورتبها فَجعل رُمَاة عبيده ورماة أهل فاس رحى وَاحِدَة وَعقد عَلَيْهِم للقائد أبي عزة صَاحب الشربيل وَجعل الودايا
وزرارة وَأهل السوس خيلهم ورماتهم رحى وَاحِدَة وَعقد عَلَيْهِم لحاجبه الْقَائِد عبد الْوَهَّاب اليموري وَسَار على هَذِه التعبية فَلَقِيَهُ شراقة وَأَوْلَاد جَامع وَأَوْلَاد عِيسَى فجعلهم رحى وَاحِدَة وَعقد عَلَيْهِم للشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى الشَّرْقِي وَلما عبر وَادي ورغة لقِيه أهل الغرب فِي جموعهم ينتظرونه هُنَالك فَبَاتُوا مَعَه تِلْكَ اللَّيْلَة بِعَين قرواش وَمن الْغَد جعل بني مَالك فِي رحى وعقدهم عَلَيْهِم لقائدهم أبي سلهام الجمادي وَجعل سُفْيَان فِي رحى وَعقد عَلَيْهِم لقائدهم عبد الله السفياني وَسَار على هَذِه التعبية فِي ظلّ النَّصْر والسعادة
وَأما الْمولى المستضيء فِي العبيد وَبني حسن فَإِنَّهُ لما بلغه نهوض السُّلْطَان الْمولى عبد الله من فاس خَالفه إِلَى مكناسة دَار الْملك فَدَخلَهَا على حِين غَفلَة من أَهلهَا وعاث وانتهب وَفعل فِيهَا بَنو حسن الأفاعيل من سبي النِّسَاء والذرية وَغير ذَلِك ثمَّ تدارك أهل مكناسة أَمرهم وتجمعوا لِحَرْب عدوهم فَقَاتلُوا بني حسن فِي وسط الْمَدِينَة وردوهم على أَعْقَابهم وَقتلُوا مِنْهُم مَا لَا يُحْصى وَرَجَعُوا منهزمين وَأما أَحْمد الريفي فَإِنَّهُ زحف إِلَى الْقصر فِي جموع لَا تحصى من أهل الرِّيف والفحص والجبل وَأهل العرائش وَالْقصر والخلط وطليق وبداوة وَغَيرهم وَأقَام ينْتَظر سُلْطَانه الْمولى المستضيء وَجمعه
وَلما أَبْطَأَ عَلَيْهِ واتصل بِهِ خبر زحف السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَيْهِ ارتحل من الْقصر عَامِدًا نَحوه فَالتقى الْجَمْعَانِ عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم بدار الْعَبَّاس على وَادي لكس وَقَالَ فِي نشر المثاني كَانَ اللِّقَاء بالموضع الْمُسَمّى بالمنزه من أحواز الْقصر فِي رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَة وَألف
وَلما ترَاءى الْجَمْعَانِ هم جَيش السُّلْطَان الْمولى عبد الله بالنزول فَقَالَ السُّلْطَان رَحمَه الله لَا نزُول إِلَّا على الْغَنِيمَة أَو الْهَزِيمَة ثمَّ عبر إِلَيْهِم فِي جُنُوده وأعجلهم على النُّزُول وصمد إِلَيْهِم فِي كَتِيبَة من أَخْوَاله وعبيده فخالط
مقدمتهم ففضها وَكَانَ فِيهَا أهل الفحص وبداوة وطليق والخلط ثمَّ ظَهرت كَتِيبَة أهل الرِّيف الَّتِي فِيهَا قلب الْعَسْكَر وَحده وفيهَا الباشا أَحْمد بن عَليّ فَحمل عَلَيْهَا السُّلْطَان حَملَة ثَانِيَة ألحقها بالمقدمة وتقوضت جموع الريفي من كل جَانب وانهزموا للحين ومروا على وُجُوههم لَا يلوي حميم على حميم وَمضى جَيش السُّلْطَان فِي أَثَرهم يقتلُون ويسلبون إِلَى أَن جنهم اللَّيْل وَقتل الريفي فِي المعركة وَبقيت الْأَبْنِيَة والأثقال بيد السُّلْطَان كَمَا هِيَ فَنزل بهَا بدار الْعَبَّاس وعادت العساكر مسَاء بالغنائم وبرأس الباشا أَحْمد بن عَليّ الريفي عرفه بَعضهم بَين الْقَتْلَى فأزال رَأسه وأتى بِهِ السُّلْطَان فسر بِهِ وَبعث بِهِ إِلَى فاس فعلق بِبَاب المحروق وانقضى أمل أَحْمد الريفي وَذَهَبت أَيَّامه و {كل من عَلَيْهَا فان وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام} الرَّحْمَن 26 وَقد خلف هَذَا الريفي آثارا كَثِيرَة بطنجة وتطاوين وأعمالها من أبنية وَغَيرهَا تشهد بعلو همته رَحمَه الله
زحف السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى طنجة واستيلاؤه عَلَيْهَا
لما فرغ السُّلْطَان الْمولى عبد الله من أَمر الريفي أصبح غاديا يؤم طنجة وَلما شارفها خرج إِلَيْهِ رجالها يحملون الْمَصَاحِف على رؤوسهم وَالصبيان يحملون الألواح بَين أَيْديهم مستشفعين تَائِبين فَعَفَا عَنْهُم إِلَّا من كَانَ من بطانة أَحْمد الريفي وَدخل السُّلْطَان طنجة وَاسْتولى عَلَيْهَا وَأمر بِالِاحْتِيَاطِ على دَار الريفي ومتاعه ثمَّ أَمر الخواجا عديلا فِي جمَاعَة من تجار فاس بإحصاء مَا بدار الريفي فَدَخَلُوهَا وتطوفوا خزائنها وَاسْتَخْرَجُوا مَا فِيهَا من مَال وَسلَاح وسروج وكسى وملف وكتان وفرش وخرثي وأثاث يفوق الْحصْر فأحصى ذَلِك كُله وأحصى العبيد وَالْإِمَاء وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَجَمِيع الْمَاشِيَة من إبل وبقر وغنم فجيء من ذَلِك بِشَيْء كثير فَأعْطى الْمَاشِيَة كلهَا للبربر ثمَّ
أطلق يَد الْجَيْش على الأمراس فانتشلوا مَا فِيهَا من قَمح وشعير فَأتوا عَلَيْهِ ثمَّ تتبع حَاشِيَة الريفي من عُمَّال وَكتاب وَغَيرهم مِمَّن كَانَ لَهُ بِهِ اتِّصَال فاستصفى مَا عِنْدهم من المَال والذخيرة إِلَى أَن استوفى غَرَضه
وَكَانَ هَذَا الريفي قد رسخ مجده بطنجة وأعمالها وعظمت ثروته لامتداد الدولة لَهُ ولأبيه بهَا مُنْذُ الْفَتْح فَكَانَ ظفر السُّلْطَان الْمولى عبد الله بخزائنه من بَاب الظفر بالكنوز القارونية وقدمت عَلَيْهِ فِي أثْنَاء ذَلِك وُفُود الْقَبَائِل الَّتِي هُنَالك فَعَفَا عَنْهُم وأمنهم وَأقَام رَحمَه الله بطنجة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وانقلب رَاجعا إِلَى فاس
رَجَعَ السُّلْطَان إِلَى مكناسة على طَرِيق تادلا بعد أَن أَقَامَ بِبِلَاد الْحَوْز سنة كَامِلَة فَقَدمهَا فِي شهر ربيع الثَّانِي سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة وَألف وَلما شَارف مكناسة لم يدخلهَا وَنزل بقصبة أبي فكران فَقدم عَلَيْهِ بهَا جمَاعَة من الْمُجَاهدين أهل الرِّيف من طنجة فَوق الْمِائَة وَمَعَهُمْ زَوْجَة الباشا أَحْمد الريفي وولداها مِنْهُ فَقدمت هَدِيَّة عَظِيمَة فَقبض السُّلْطَان الْهَدِيَّة وَقتل الْوَلَدَيْنِ وَمن
مَعهَا من أهل الرِّيف ثمَّ قتل مَعَهم ثَلَاثمِائَة من بني حسن كَانُوا قدمُوا عَلَيْهِ للتهنئة فَكَانَ ذَلِك سَبَب نفرة النَّاس عَنهُ فَسَاءَتْ عَنهُ الأحدوثة وَكَثُرت القالة من الْجَيْش والرعايا حَتَّى فِي الْأَسْوَاق وانقبض النَّاس عَنهُ حَتَّى أهل فاس فضلا عَن غَيرهم
فِي أول رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة ورد الْخَبَر بِأَن أهل الرِّيف قبضوا على الْمولى المستضيء الْمُقِيم ببلادهم ونهبوا خيله وأثاثه وَمَاله وثقفوه حَتَّى يَدْفَعُوهُ لِأَخِيهِ الْمولى عبد الله لِأَنَّهُ كَانَ قد اشْتغل بظُلْم النَّاس بالفحص وطنجة وَقبض على الْقَائِد عبد الْكَرِيم بن عَليّ الريفي وَهُوَ أَخُو أَحْمد بن عَليّ الْمُتَقَدّم الذّكر فَأخذ مَاله وسمل عَيْنَيْهِ
قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان الْمولى عبد الله خرج سنة سبع وَخمسين وَمِائَة وَألف فِي طلب أَخِيه الْمولى المستضيء وَأَنه دوخ بِلَاد الْحَوْز لأَجله وشرده عَن جبال مسفيوة ولجأ إِلَى مراكش فطرده أَهلهَا وَلما لم يجد بالحوز مُسْتَقرًّا رَجَعَ أدراجه يقتري الْبِلَاد والقرى ويصل حرارة التهجير ببرك السرى فاجتاز بِبِلَاد دكالة ثمَّ بتامسنا ثمَّ ببني حسن فزهدوا فِيهِ فَتقدم إِلَى طنجة وأعمالها فاستقر بالفحص مِنْهَا وطاب لَهُ الْمقَام بِهِ وعسف أُنَاسًا فِي تِلْكَ