42
والزيدي سبق أن اندمجا فكرياً وسياسياً. لكن ذلك لا يعني أن إدريس تخلى
عن المذهب الزيدي كما رأى أحد الدارسين مبرراً ما تظهره النصوص
للوهلة الأولى من تحول إدريس إلى الاعتزال على أنه من باب ((التقية)).
ما نراه في هذا الصدد أن التشيع الزيدي جرى احتواؤه فكرياً من قبل
الاعتزال أما سياسياً فقد حدث العكس وهذا ما تدل عليه الأحداث التالية
حيث كانت زعامة الدولة التي تضافر الطرفان على إقامتها لإدريس بن عبدالله
الإمام الزيدي. وهنا تبرز قيمة نص ابن أبي زرع السابق الذي يؤكد صدق ما
نذهب إليه من موافقة إدريس مذهب إسحاق وموافقة إسحاق سياسة إدريس
وليس أدل على ضآلة الجانب المذهبي بالقياس للإعتبار السياسي من
عدم إعلان إدريس عن حقيقة مذهبه في خطبته الأولى بعد أن بايعته أوربة
والقبائل الأخرى سنة 172هـ. فلم يفصح عن زيديته أو أعتزاله بقدر ما اهتم
بإبراز كونه إماماً عادلاً من آل البيت. ولسوف نجد مصداق ذلك في ما شجر بعد
من خلاف بين إدريس الثاني وإسحاق الأوربي : حيث غلبت الأسباب السياسية
على الجوانب المذهبية.
لقد اقتضت الحكمة عدم إثارة ((المسألة المذهبية)) في بلاد تعددت
مذاهب سكانها ما بين شيعة واعتزالية وسنية وخارجية. وقد فطن ابن خلدون
إلى حقيقة عزوف إدريس الأول عن إعلان زيديته حين قال : ((بموت يحيى بن
عبدالله . . . خفيت دعوة الزيدية حيناً من الدهر)).
خلاصة القول –أن الدعوة الزيدية- الاعتزالية نجحت في الإفادة من
ظروف المغرب الأقصى في تأسيس دولة نواة تطلعت للتوسع شرقاً لتضم سائر
العالم الإسلامي. وإذ يعوّل على نظرية ابن خلدون في قيام الدول نرى أن