لقد ارتبط ذكر قبيلة آيت عتاب مند أوائل القرن الثالث الهجري بذكرى مولاي عيسى ابن إدريس ، أي قبل أن تحمل هذه القبيلة اسم آيت عتاب حيث كانت تشكل جزءا من قبيلة صنهاجة أو ازناكة التي كانت تستوطن المنطقة مع جارتها هسكورة.
فمن هو مولاي عيسى ابن إدريس هذا وما هي علاقته بقبيلة آيت عتاب ؟
للإجابة عن هذين السؤالين سنتناول الموضوع من خلال النقط التالية:نسب مولاي عيسى ابن إدريس، حياته، ذريته،علاقته بآيت عتاب و الاحتفال بموسم مولاي عيسى ابن إدريس بعد مماته.
أ- نسب مولاي عيسى ابن إدريس:
هو مولاي عيسى ابن إدريس الثاني بن إدريس الأول بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي كرم الله وجهه ومولاتنا فاطمة الزهراء بنت الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أي أنه أحد أبناء إدريس الثاني دفين فاس والمؤسس الحقيقي للدولة الإدريسية ، علما أن إدريس الثاني هذا قد خلف 12 ولدا هم كما رتبهم أبو عبيد البكري : محمد وأحمد وعبيد الله وعيسى وإدريس وجعفر وحمزة ويحي وعبد الله والقاسم وداود وعمر. وهي نفس الأسماء التي ذكرها ابن عدارى المراكشي وابن حزم وإن كان ابن حزم قد أضاف إليها ولدين آخرين هما الحسن والحسين ، في حين أن علي بن أبي زرع الفاسي وخالد الناصري ذكرا اسم علي عوض عبيد الله . وهناك من النسابة من أضاف اسمي عمران وإبراهيم إلى قائمة أسماء أبناء إدريس الثاني، وبعبارة أخرى فإن هناك إجماع المؤرخين الدين تناولوا الدولة الإدريسية على أن عيسى هو أحد أبناء إدريس الثاني.
ب - حياة مولاي عيسى ابن إدريس:
ولد مولاي عيسى ابن إدريس في مدينة فاس عاصمة ملك والده ،وبها نشأ وترعرع وتعلم ، غير أن المصادر التاريخية التي تم الوقوف عليها لم تشر إلى تاريخ ولادته، ومع ذلك فإنه يرجح أنه من مواليد أواخر القرن الثاني الهجري، لأن والده إدريس الثاني ازداد سنة 177هجرية وتوفي سنة 213 هجرية. وعند وفاته كان عيسى ابن إدريس من بين إخوته الذين عينهم أخوهم الأكبر محمد بن إدريس الذي خلف والده ، بإشارة من جدته كنزة على أقاليم البلاد ، أي أنه كان عند وفاة والده في سن تسمح له بتقلد المسؤولية.أكثر من دلك أنه ثار ضد أخيه بعد سنتين أو ثلاث سنوات على تعيينه،ولو كان صغير السن لبقي بدوره كباقي إخوته الصغار تحت كفالة أخيه محمد بفاس.
وكانت ولاية عيسى ابن إدريس تشمل حسب بعض المصادر شالة وسلا وأزمور وتامسنا وما إلى دلك من القبائل ، في حين أن أبا عبيد اله البكري حدد مجال هذه الولاية في وازقور وسلا . أما دانييل أوسطاش فقد رسم حدود هذا المجال كالتالي :"وادي بهت والمجرى الأسفل لنهر سبو في الشرق وفي الشمال ووادي كرو والمجرى الأسفل لوادي سلا(أبي رقراق) في الجنوب مع امتداده إلى مشارف الجانب الشمالي لتامسنا حول شالة . ويكتمل هذا المجال بالشرق في الحدود الشمالية لتادلا وفازار الغربي ،وهناك من نصيب عيسى بن إدريس آيت عتاب وما جاورها وضم إلى حكمه شالة وجبال تادلة" . أما صاحب الدرر البهية فقد أكد أن عيسى ابن إدريس كان خليفة أخيه الإمام محمد بشالة وجبال تادلة . وإذا كانت معظم المصادر السالفة الذكر تتفق في تحديدها لمجال ولاية عيسى ابن إدريس على شالة وسلا وتامسنا ، فإن الاختلاف الذي يستدعي التوقف عنده يتمثل في إشارة البعض إلى أزمور والبعض الآخر إلى وازقور ، ذلك أن أزمور تقع في بلاد دكالة على شاطئ المحيط الأطلسي عند مصب نهر أم الربيع ، في حين أن وازقور كما نقل دلك دانييل اوسطاش عن كولان، تقع على وادي زقور أحد روافد أم الربيع على بعد حوالي ثلاث كيلومترات جنوب شرق مدينة خنيفرة . والمرجح أن المكان الذي يدخل ضمن ولاية عيسى ابن إدريس هو وازقور وليس أزمور لأن معظم النقود المضروبة باسم عيسى ابن إدريس قد ضربت في وازقور التي كان نشاط معاملها يوازي تقريبا ما كانت تسكه معامل دار العالية بفاس.
كما أن المؤرخين والنسابة اختلفوا في تعيين عاصمة ولاية عيسى ابن إدريس، فدانييل أوسطاش جعل مقر ولايته أزقور التي كان يقيم فيها ، في حين أن إشارة علي ابن أبي زرع الفاسي إلى أن عيسى ابن إدريس طرد من "شالة وسائر أعمالها" يفهم منها أن مقر تلك الولاية هو شالة . أما صاحب كتاب " مصابيح البشرية في أبناء خير البرية" أشار في سياق حديثه عن الشرفاء الدباغيين الحسنيين إلى "أنهم كانوا قديما بقبيلة آيت عتاب مركز إدارة جدهم عيسى".
وإذا كان عيسى ابن إدريس سار كباقي إخوته في أول الأمر سيرة حسنة في تدبير شؤون ولايته تحت إمرة أخيه محمد، إلا أن تلك الطاعة لم تدم طويلا، إذ سرعان ما ثار على أخيه واستقل بولايته، وكان دلك حسب دانييل أوسطاش في سنة 215 هجرية أو 216 هجرية ، إلا أن المصادر التاريخية لم تشر إلى أسباب هذا التمرد الذي يبدو بأنه كان بكيفية انفرادية ، وإن كان محمد ابن إدريس قد اعتبر امتناع القاسم ابن إدريس عن الدخول في حرب ضد أخيه عيسى لمعاقبته تواطؤا معه ومساندة له . وقد احتفظت لنا بهذا الامتناع الأبيات التي بعث بها القاسم إلى أخيه محمد جوابا عن طلبه الداعي إلى الدخول في حرب ضد أخيهما عيسى ، وهي من نظمه على النحو التالي :
سأترك للراغب الغرب نهبا = وإن كنت في الغرب قيلا وندبا
وأسمو إلى الشرق في همة = يعز بها رتبا من أحبا
وأترك عيسى على رأيه = يعالج في الغرب هما وكربا
ولو كان قلبي على قلبه = لكنت له في القرابة قلبا
وإن أحدث الدهر من ريبة = شقاقا علينا وأحدث حربا
فإني أرى البعد سترا لنا = يجدد شوقا لنا وحبا
ولم نجن قطعا لأرحامنا = نلاقي به آخر الدهر عتبا
وتبقى العداوة في عقبنا = وأكرم به حين نعقب عقبا
وأوفق من دلك جوب الفلا = وقطع المخارم نقبا فنقبا
فتوجه محمد إلى أخيه عمر بما أمر به القاسم فامتثل لأمره وقاد جيشا عظيما من غمارة وأوربة وصنهاجة ومن غيرها من القبائل مدعما بألف فارس من قبائل زناتة ضد أخيه عيسى ،وأوقع بهذا الأخير هزيمة عظيمة وطرده من شالة وسائر أعمالها .وذكر ابن عدارى المراكشي بأنه تقدم هناك تنازع بين عمر وعيسى دون أن يشير إلى سبب ذلك التنازع . وروى صاحب "زهرة الأخبار" أن جيوش عمر بن إدريس كانت تتكون من ستين ألف فارس من لمطة وأربعين ألفا من هوارة ومائة من زناتة ،في حين أ ن عيسى ابن إدريس استعان بستين ألفا من العسكر الشديد من تادلة ، وكانت الواقعة بينهما في وادي العبيد حيث انهزم عيسى ابن إدريس، كما أمر محمد بن إدريس أخاه عمر بالسير إلى قتال القاسم الذي رفض محاربة عيسى ، فدارت بينهما حروب طاحنة انقشع غبارها عن انهزام القاسم بدوره، وبذلك تولى عمر على ولايتي عيسى والقاسم. وقد التجأ هذا الأخير إلى تاهذارت بالقرب من أصيلا حيث تزهد في الدنيا ولا زم العبادة إلى أ ن توفي. وعن عيسى بن إدريس اكتفى المؤرخ أبو القاسم الزياني بالقول " ولم أدر ما فعل الله بعيسى بعد الهزيمة ، إلا أن قبره بآيت عتاب.
ويري دانييل أوسطاش أن عيسى ابن إدريس فر بعد انهزامه إلى سلا ، في حين أن صاحب زهرة الأخبار الذي روى بأن الواقعة التي دارت بين عمر وعيسى كانت بوادي العبيد أشار إلى أن عيسى بعد انهزامه فر إلى جبال آيت عتاب.
وبالرغم من هذه الروايات عن انهزام عيسى ابن إدريس فإن هناك بعض المصادر التي تتحدث عن استمراره في ممارسة نشاطه السياسي الشئ الذي تؤكده أيضا النقود التي ضربت باسمه في فترات لاحقة للمواجهة التي تمت بينه وبين أخيه عمر، وهكذا فقد افترض دانييل أوسطاش اعتمادا على المسكوكات الإدريسية بأن عيسى ابن إدريس قد استعاد ولايته ولاسيما في عهد علي بن محمد بن إدريس الذي خلف والده بعد وفاته في سنة 221 هجرية مستدلا على ذلك بكون عيسى ظهر من جديد في سنة 225 للهجرة، حيث ضرب السكة باسمه في وازقور، بل لقد دهب إلى أن ولاية عيسى عرفت نوعا من التوسع ، كما يستنتج من كونه ضرب النقود باسمه في سنة 229 هجرية في زيز التي قد تكون دخلت في ولايته أو على الأقل اعترفت بنفوذه. ومما يؤكد كون عيسى ابن إدريس استرجع تلك الولاية واستقل بنفسه أن النقود المضروبة باسمه أصبحت ابتداء من عام 226 هجرية وإلى أن توفي تصفه ب "المنتصر بالله " الذي كان يلقب به عادة محمد ابن إدريس.
وكما هو الشأن بالنسبة لتاريخ الولاة فإن معظم المصادر التاريخية التي اهتمت بالدولة الإدريسية لم تشر إلى تاريخ وفاة مولاي عيسى ابن إدريس.ويحدد دانييل أوسطا ش اعتمادا دائما على المسكوكات المتبقية في عهد الأدارسة، تاريخ تلك الوفاة في عام 233 هجرية . وعن هذا الجانب أشارت جمعية تاريخ المغرب في إشارتها في نشرتها إلى أن عيسى ابن إدريس مات في سنة 233 هجرية ودفن بتادلة في آيت عتاب، فخلفه ابنه أحمد ،وقبره مشهور بآيت عتاب بالمكان المعروف بالسدات . وتفيد شجرة الولي الصالح مولاي عبد الله بن عبد السلام بن مشيش دفين رفالة بدير آيت عتاب بأن السلطان أبا الحسن المريني المعروف بالسلطان الأكحل كان قد بنى على الولي الصالح مولاي عيسى ابن إدريس قبة فاخرة في نطاق العناية التي كانت توليها هذه الدولة للشرفاء. وعلى هذا الأساس يكون مولاي عيسى ابن إدريس عاش من بعد والده المتوفى عام 213 هجرية 20 سنة ، في حين تأخر عن أخيه محمد حوالي إثنى عشر سنة.
ج- درية مولاي عيسى ابن إدريس :
هناك إجماع المؤرخين والباحثين على أن مولاي عيسى ابن إدريس قد خلف درية بعد وفاته خلافا للرواية الشفوية التي يتداولها بعض العتابيين من أنه توفي وهو أعزب.ويؤكد دلك كون احد أبنائه وهو احمد بن عيسى بن إدريس قد خلف والده كما توصل إلى ذلك دانييل أوسطاش على وازقور وامتدت ولايته من عام 233 هجرية إلى 270 هجرية . ويبدو حسب نفس المصدر أن ولايته اتسعت شمالا لتضم معملين لسك النقود أحدهما في بهت والأخر في ورديغة . وهناك درهم ضرب باسم أحمد بن عيسى ابن إدريس يعد قرينة على أن بني عيسى ابن إدريس قد استمروا في الحكم إلى ما بعد سنة 276 هجرية وهو التاريخ الذي عادوا فيه إلى وازقور.
وفي هذا الصدد اكتفى صاحب الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى بالإشارة إلى أن عيسى ابن إدريس توفي بآيت عتاب وله بها درية دون إعطاء أية تفاصيل عن هذه الدرية التي وردت إشارات كثيرة إليها من عدد من المؤرخين والنسابة أمثال:
♦ذكر صاحب" زهرة الأخبار" أن مولاي عيسى ابن إدريس خلف خمسة أولاد وهم موسى وأحمد وسهل وهارون وسليمان من زوجته بنت جابر التدلاوي القيسي. ولا نعلم عن بنت جابر القيسي هذه شيئا والتي يدل نسبها إلى جابر القيسي على أنها ترجع إلى أصول عربية إي إلى آل جابر من قيس غيلان الشئ الذي يمكن التساؤل معه عن مدى صحة مصاهرة مولاي عيسى ابن إدريس لبني جابر الدين تأخر استيطانهم بمنطقة تادلا إلى عهد الموحدين ما لم يكن أحد أسلاف بني جابر قد عرف طريقه إلى المنطقة مند عهودها الأولى بالإسلام.
♦ جاء في الشجرة الموجودة في حوزة حفدة مولاي عيسى بن إدريس في آيت عتاب أن هذا الأخير خلف خمسة أولاد نذكر من بينهم محمد وأحمد صاحب تادلا وجبال فازاز وموسى صاحب مدينة داي له عقب كثير وهارون.
♦ جاء ضمن شجرة مولاي عبد الله بن عبد السلام بن مشيش أن مولاي عيسى بن إدريس خلف ثلاثة أولاد هم موسى وأحمد وسليمان، إلا أن هذه الشجرة تشير في مكانين آخرين منها إلى"سهل بن عيسى بن إدريس" و"يحيى بن عيسى بن إدريس".
فهل هذا يعني أن أولاد صاحب الترجمة حسب هذه الشجرة نفسها يصل إلى خمس أم أن بعض الأسماء سقطت بين عيسى وسهل ويحيى.
♦ ذكر ابن حزم في كتابه " الجمهرة " بأن الرئاسة كانت لدى الأدارسة في ولد القاسم بن إدريس وولد عيسى بن ادرس وصاحب درعة حفيد يحيى بن إدريس.
والملاحظ أن هذه الروايات قد اتفقت على معظم الأسماء وكلهم من الذكور مثل أحمد بن عيسى بن إدريس، كما اتفقت على أن درية مولاي عيسى بن إدريس قد تفرقت في الأوطان داخل المغرب وخارجه ومن الأمثلة عن دلك:
▪ذكرت شجرة مولاي عبد الله بن عبد السلام دفين ارفالة بأن أولاد عيسى بن إدريس يتواجدون في آيت عتاب نفسها وفي تادلة وفم الجمعة والوادي الأخضر في السراغنة وإشقيرن بزايان وسلا ومراكش ومغراوة وفيجيج وقصر الواد وتلمسان.
▪ذكر صاحب كتاب "الدرر البهية والجواهر النبوية" بأن عقب مولاي عيسى بن إدريس هم الشرفاء المناليون والبوزيديون واليعقوبيون والسنويون والعرهبيون والدباغيون، وفي تفصيله لهذه الشعب أوضح نفس المؤلف أي إدريس بن مولاي احمد العلوي بأن المناليين نسبة إلى منالة بالسوس الأقصى يدعون كذلك بالزباديين، كانوا بفاس والسوس الأقصى والصحراء، وبأن البوزيديين قدموا من تلمسان، ومنهم جماعة وافرة بقلعة صفرو، أما اليعقوبيون نسبة إلى سيدي يعقوب الشريف بالقرب من وادي شلف ، فكانوا بفاس، ثم انتقل بعضهم إلى رباط الفتح، والسنويون سموا بدلك لأن جدهم أخد عن السنوي بمصر ويعرفون في فاسبالعمراويين، أصلهم من تادلا، ثم انتقلوا لزمور الشلح وبني حسن ثم لبلاد الحياينة، أما العرهبيون فينسبون إلى جدهم العربي المدعو عرهب دفين تادلا، وهم من حفدة موسى بن عيسى بن إدريس، ويعد الدباغيون من بيوت النسب المذكورين وكبراء الحسب المشهورين، سكنوا أولا آيت عتاب، ثم انتقلوا إلى سلا ومنها لعدوة الأندلس حيث نزلوا بغرناطة، وكان أول من نزل بها جدهم علي بن عبد الرحمان بن عيسى بن احمد بن محمد بن عيسى بن إدريس في سنة 456 هجرية، ثم قدموا إلى فاس فاشتهروا بالسلويين والدباغيين، وبعضهم في مراكش.
▪في إشارة لصاحب كتاب "إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس" أن شرفاء آيت عتاب الأدارسة انتقلوا إلى غرناطة بعدوة الأندلس، وكان لهم بها الصيت الشهير، بولاية الحكم في الأمر الخطير، ناهيك أن منهم الشريف الغرناطي شارح مقصورتي حازم والخزرجي، كانوا يدعون بالسلويين لما قدموا من عدوة فاس، وبعضهم بمراكش، وبعضهم بسوس الأقصى.
▪ذكر عبد العزيز بنعبد الله وهو يحدث عن الدباغيين بأنهم قد سكنوا أولا آيت عتاب بتادلا، ثم مدينة سلا، ومنها انتقلوا إلى غرناطة الحمراء... ونزل سلا أواخر المائة السابعة جدهم أحمد بن ابراهيم بن عمر حيث أجرى عليهم بنو مرين ريع دار دباغة سلا، وكان سببا لتسميتهم بالدباغيين.
▪وحسب صاحب زهرة الأخبار فإن الشرفاء الأدارسة بآيت عتاب يرجع أصل البعض منهم إلى صفوان بن موسى بن سليمان بن يحيى بن موسى بن عيسى بن إدريس جدّ الأشراف البُوزيديّون ، و قد خلّف مولاي صفوان من زوجته عائشة بنت عبد الله بن يوسف بن عمر بن شجدال بن عزيز العميري التدلاوي ثلاثة من الذكور، محمد بن صفوان الذي خرج إلى ملوية، وأبا القاسم بن صفوان الذي انتقل إلى الأندلس، وأبا عمران موسى بن صفوان الذي استقر في تادلا، في حين أن أصل البعض الآخر يعود إلى يحيى بن أبي يعقوب يوسف بن محمد بن علي بن عبد الله الخالق بن عبد الجبار بن أحمد بن عيسى بن إدريس.
▪ والجدير بالملاحظة أنه توجد إلى جوار قبر مولاي عيسى بن إدريس إلى يومنا هذا مجموعة من الأسر من حفدته يحمل عدد منهم اسم"الأزهري" نسبة إلى جدهم الأعلى مولاي إدريس الأزهر، وفي حوزتهم مجموعة من ظهائر الاحترام والتوقير المنعم بها عليهم من لدن عدد من ملوك الدولة السعدية وخاصة من طرف ملوك الدولة العلوية الشريفة، ومن بين هذه الظهائر على سبيل المثال ظهير للسلطان مولاي أحمد يحيى السعدي يجدد فيه لحملته الشريفين سيدي الحسين وسيدي لحسن ما بأيديهم من ظهائر والده المنعمة عليهم بالتعظيم والتوقير والمسقط للكلف المخزنية عليهم وهو مؤرخ في ربيع الأول عام 985 للهجرة، وظهيران شريفان للسلطان المولي إسماعيل مؤرخان على التوالي في 1087 هجرية و1106 هجرية، وظهير شريف للسلطان عبد الله بن إسماعيل مؤرخ في عام 1138 للهجرة، وكلها لتجديد ما بأيديهم من ظهائر الاحترام والتوقير.
▪ابن إدريس إلا وبالرجوع إلى مؤلفات المعاصرين يلاحظ بأنها لم تعد ترفع نسب حفدة مولاي عيسى نادرا إلى جدهم الأعلى، بل تقتصر على نسبتهم إلى الجد الذي اشتهروا به في المواطن التي يتواجدون فيها كما لاحظنا عند صاحب الدرر البهية وعند المؤرخ عبد الرحمان بن زيدان صاحب إتحاف أعلام الناس.
ومن المؤلفات الحديثة التي تناولت مختلف شعب بني عيسى بن إدريس ومواقع تواجدهم في أيامنا هذه كتاب"مصابيح البشرية في أنباء خير البرية" للسيد أحمد الشباني الإدريسي، وكانت من بين درية مولاي عيسى بن إدريس شخصيات كثيرة لها باع طويل في مجالات العلم والتصوف والوطنية أمثال عبد المجيد الزبادي وإدريس الفضيلي وعبد العزيز الدباغ وعبد العزيز بن إدريس، ومن أشهر متصوفة هذه الدرية سيدي علي بن إبراهيم دفين بني اعياط المتوفى في سنة 956 أو 957 للهجرة، قال عنه ابن عسكر صاحب دوحة الناشر"من مشاهير مشايخ الصوفية، اشتهر بالخير والصلاح، وظهرت عليه مخايل الولاية وشواهد الكرامة، وشهد له بالدراية والفضل بالتقدم في طريق الديانة الخاصة، وله مناقب مأثورة".
د- علاقة مولاي عيسى بن إدريس بآيت عتاب:
من المؤكد أن مولاي عيسى بن إدريس لجأ في آخر أيام حياته إلى آيت عتاب لأنه توفي فيها ودفن فوق ترابها غير أن ذلك لا ينفي أن تكون آيت عتاب مقرا لولايته خلال تقلده للمسؤولية أو أن تكون له علاقة وثيقة بهذه القبيلة حتى قبل توليه للمسؤولية ولم لا خلال عهد والده إدريس الثاني. ولعل كل هذه الفرضيات تجد قي المصادر والوثائق المكتوبة وفي الرواية الشفوية ما يدعمها كما يتضح من الأمثلة التالية:
♪ فحسب الشجرة الموجودة في حوزة الشرفاء حفدة مولاي عيسى بن إدريس بآيت عتاب فإن مولاي عيسى بن إدريس انتقل من مدينة سلا إلى بلاد البربر حيث نزل بمكان يسمى "أوربيع" عند زعيم المنطقة المدعو"بن وعزان" الذي فرح به وأجمع البرابر والعرب وما تحت يديه فأمر بتعظيمه، فأخبرهم بأنه شريف، وقدم معه إلى بلاد صنهاجة وهي تيرت، واستقر رضي الله عنه بموضع يقولون له السدات وبنى قصبة في دلك المكان فأجمع عليه آيت بوكرام بآيت عتاب، آيت عياض، آيت يعزم، آيت مكسولي، آيت وكتلاسن، آيت حميد، آيت هرفالة، آيت سليمان وآيت كسلت.
♪ وفي رواية أخرى فإن مولاي عيسى بن إدريس قد فر إلى المكان المعروف اليوم بآيت عتاب على إثر انهزامه في المعركة التي خاضها ضد أخيه عمر بوادي العبيد "عن طريق اغبالوا بابزو، فالعثامنة فآيت عتاب، ونزل علن أهل تسقي الدين آووه وبروا به وتفانوا في محبته وخدمته" وتتمشى هذه الرواية مع بعض ما ذكره صاحب زهرة الأخبار من أن مولاي عيسى بن إدريس قد "فر إلى جبال تادلا من واد آيت عتاب بتسقي، توفي وقبره يزار بتلك البلاد" وكدا مع ما ذكره صاحب كتاب التشوف الصغير من أن مولاي عيسى بن إدريس "مدفون بتسقي من جبل آيت عتاب".
قد يلاحظ بأن ضريح مولاي عيسى بن إدريس يوجد الآن في السدات وليس بتسقي التي تفصلها عن السدات حوالي ست كيلومترات، غير أن ذلك قد يجد تفسيره في أن كل المنطقة الممتدة من آيت يحيى إلى تسقي ربما كانت تحمل في تلك الفترة من التاريخ اسم تسقي الذي يبدو أنه مشتق من السقي لوفرة مياهها وكثرة بساتينها خاصة وأن الرواية الشفوية تتحدث إلى عهد ليس بالبعيد عن البساتين الكثيرة التي كانت تغطي هذه المنطقة والتي نجد لها صدى في جغرافية الحسن بن محمد الوزان الذي أكد في أوائل القرن السادس عشر الميلادي وهو يصف آيت عتاب بأن"جميع الشعاب المجاورة مليئة بالكروم والبساتين الجميلة"، وكدا عند مارمول كربخال المعاصر له الذي أكد بدوره وهو يتحدث عن آيت عتاب بأن"جميع الشعاب والتلال المحيطة بها مكسورة بالكروم والأشجار المثمرة".
♪ وهناك رواية ثالثة متداولة إلى اليوم في أوساط سكان آيت عتاب يفهم منها أن مولاي عيسى بي إدريس كانت له علاقة بآيت عتاب في عهد والده إدريس الثاني، بل لقد تطورت تلك العلاقات إلى درجة أن مولاي عيسى بن إدريس كان يفضل الإقامة في آيت عتاب، ومؤداها أن والده إدريس الثاني اضطر في إحدى المرات إلى القدوم إلى آيت عتاب لمصاحبة ابنه عيسى معه إلى فاس بعد أن طال غيابه عن العائلة بآيت عتاب مما آثار غضبه وهو فوق تراب هذه القبيلة فدعا على سكانها بقوله: "الله يعطيكم الشيح والريح"، وقد استدرك ولده عيسى الذي كان بجانبه قائلا:"وتصلح عليه أموالهم ورجالهم"(الشيح هو نوع من النبات، أموالهم:المقصود بها ماشيتهم، وما تزال الكلمة متداولة بهذا المعنى في المنطقة).
ويمكن أن نستنتج من هذه الروايات أن مولاي عيسى بن إدريس كان كثير التردد على آيت عتاب سواء في عهد والده أو خلال فترة ولايته أو بعد انهزامه في المعركة التي قادها ضد أخيه. وهذا ما تؤيده إحدى الإشارات الواردة في الشجرة الموجودة في حوزة الشرفاء الأدارسة حفدة مولاي عيسى بن إدريس بآيت عتاب ومفادها أن هذا الأخير لما لاحظ خلال إحدى إقاماته بآيت عتاب بأن سكان المنطقة "تبعوا أهواء أنفسهم وأحلوا الحرام وحرموا الحلال فخرج عنهم غضبانا ورجع لفاس فسلط الله عليهم القحط قيل سبع سنين وقيل خمس سنين وقيل ستة، فندموا وتابواإلى الله وتبعوه بستين رجلا من كل قبيلة...وآيت عتاب بستة رجال، فلما وصلوا إليه أمسكهم عشرة ليالي، فخرج لهم بعد تمام الليالي فسأل كل واحد منهم عن قبيلته، فلما وصل آيت عتاب وجدهم ستة رجا ل وقال لهم : مالكم أنتم أقل القبائل ؟
.وأضعفهم وأنتم ستة رجال، فقالوا: خونهم، فدعا لهم : اللهم اجعل بركة هذه الستين في هذه الستة، فأمرهم بالرجوع فرجع معهم".
ويمكن أن نستخلص من هذه الفقرات أن مولاي عيسى بن إدريس :
◄ كان يعيش بين سكان المنطقة بدليل أنه رجع إلى فاس، و أن هؤلاء السكان قد تبعوه ملتمسين منه العودة من جديد إلى المنطقة فلبى طلبهم.
◄ كان متمسكا بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف و حريصاعلى أن يسير الناس على منوال هذالدين ومنهاجه
و أن يطبقوا تعاليمه، لدلك خرج غضبانا و رجع إلى فاس لما تبين له سكان المنطقة اتبعوا أهواء أنفسهم وحللوا الحرام وحرموا الحلال.
◄ كان ذا معرفة كبيرة ،إذ أنه سأل كل واحد منهم عن قبيلته ، و لن يتأتى ذلك إلا بعد مخالطة وعشرة طويلتين.
◄ كان يكن عطفا خاصا لآيت عتاب يتجلى في دعائه لهم "اللهم اجعل بركة هذه الستين في هذه الستة" الدين كانوا يمثلون قبيلة آيت عتاب ضمن الوفد الذي زاره في فاس.
و مع ذلك يحق لنا أن نؤكد أن المصادر التاريخية المعروفة لم تسلط الأضواء الكافية على تاريخ مولاي عيسى بن إدريس خلال جميع مراحل حياته و بالتالي فإن الدور الذي لعبة الموقع الذي يحمل اليوم اسم آيت عتاب في تلك الحقبة من الزمن قد عفا عنه الزمن وطاله النسيان وفي مقابل ذلك فقد ظل ضريح مولاي عيسى بن إدريس محط اهتمام الزوار من آيت عتاب و من خارج آيت عتاب فضلا عن قيام أبي الحسن المريني كما سبقت الإشارة إلى دلك ببناء قبة على قبره. ومن بين الشخصيات التي زارته المؤرخ أبو القاسم الزياني الذي قال: " و زرته - أي مولاي عيسى بن إدريس – لما قدمت عليه من تافيلالت على طريق آيت عتاب و بت بقصبة المخزن فأوقفوني على قبره، عليه قبة فيقصده أهل تلك النواحي كلها للزيارة". ويبقى أكبر مظهر من مظاهر الاحتفاء بمولاي عيسى بن إدريس سواء من لدن أبناء آيت عتاب أو من لدن كل سكان المنطقة و حتى من خارجها هو الاحتفال السنوي بموسم مولاي عيسى بن إدريس، فما هو أصل هذا الاحتفال؟ و ما هي مظاهره؟
ه- الاحتفال بموسم مولاي عيسى بن إدريس:
إن المصادر التي وقفنا عليها لم تشر إلى تاريخ بداية الاحتفال بهذا الموسم، لذلك فإنه ليس أمامنا سوى الرواية الشفوية و بعض االقرائن التي يمكن الاستئناس بها في هذا الصدد، على أنه تجدر الإشارة في البداية إلى أن هذا الموسم يشارك فيه جميع سكان آيت عتا ب رجالا و نساء وأطفالا بل حتى النساء و الفتيات اللواتي يبقين في مدا شرهن يجتمعن فيما بينهن و يقمن احتفالات بالمناسبة، أما الرجال فلا يستثنى منهم إلا من يعود ليلا للحراسة و تشاركهم في هذا الاحتفال كل القبائل المجاورة سواء من الجبل مثل هنتيفة و بني مساط و آيت بوزيد و بني عياط أو من السهل مثل أولاد عياد و أولاد امبارك و أولاد بركات ، و الأمر هنا يتعلق بالقبائل التي تشارك بفرق للفروسية، و هناك بعض الفرق التي تشارك في هذا الموسم من مناطق نائية مثل أبي الجعد التي يتتبع المهتمون بألعاب الفروسية دورهم بعناية كبيرة. ويختلف عدد فرق ألعاب الفروسية التي تشارك في هذا الموسم من سنة لأخرى، بحيث يصل هذا العدد في بعض الأحيان إلى مائة و أربعين فرقة للخيول و التي يخضع ترتيب أدوارها لتنظيم محكم. والملاحظ في هذا الصدد هو أن أية فرقة للخيل سواء من آيت عتاب أو من خارجها لا يمكن أن تطأ ملعب الفروسية في أيا م الموسم إلا إدا مرت منه "سربة" أهل تسقي الدين يطلق عليهم اسم "العلامة" مفردها "العلام". و هذا يدعو إلى التساؤل عن السبب في دلك، و لمادا أهل تسقي بالضبط و ليس أهل السدات الدين يوجد من بنهم حفدة مولاي عيسى بن إدريس؟ يذهب البعض إلى أن السبب في ذلك هو أن أهل تسقي كانوا دائما يتقدمون الحملات العسكرية أو "الحركات" التي تشارك فيها قبيلة آيت عتاب و هم حاملون للعلم،
و يذهب البعض الآخر إلى أن السبب في ذلك يرجع إلى علاقتهم الوثيقة بمولاي عيسى بن إدريس و التي لم تسمح لنا المعطيات التي نتوفر عليها من تحديد طبيعتها، كل ما وقفنا عليه هو أن علاقة أهل تسقي به كانت وثيقة به مند أن وطئت قدماه آيت عتاب حيث كانوا أول من آواه وبر به و تفانى في حبه. و يقول أحد الشرفاء الأدارسة في بني ملال أن أحد أبناء عيسى بن إدريس مدفون في تيسقي. غير أنني لم أتمكن في ما قمت به من تحريات ، لا في تأكيد هذه الرواية و لا في نفيها،غير أنه ثبت لدي بأن هذه العلاقة قد استمرت بشكل آخر، علاوة على توقف القيام بألعاب الفروسية بمناسبة الموسم على مرورهم من "المحرك" و هو أنهم كانوا يحصلون على الهدايا "الزيارة" التي تقدم إلى الولي يوم الجمعة إلا أنهم تنازلوا عنها لفائدة حفظة القرآن الكريم. أما عن الأشخاص الذين يحضرون الموسم فرادى أو جماعات صغيرة فلا يخلو منهم أي تجمع سكاني من التجمعات المجاورة و غيرها من بني موسى و بني عمير و بني ملال و السراغنة فضلا عن أبناء آيت عتاب المتواجدين في مختلف جهات البلاد و خارجها و من ضمنهم قدماء تلاميذ آيت عتاب الذين كان ينص القانون الأساسي لجمعيتهم على عقد جمعهم العام السنوي بهذه المناسبة، و قد روى لي عدد من المسنين أن حفظة القرآن الكريم الذين كانوا يقدمون على ضريح مولاي عيسى بن إدريس بمناسبة إقامة الموسم يتراوح عددهم بين 100 و 300 طالب يأتون من جميع قبائل سهول و جبال تادلة والحوز، و هذا ما جعل أهل تسقي يتنازلون عن هدايا يوم الجمعة التي كانت من نصيبهم لفائدتهم.
ويقام الموسم السنوي لمولاي عيسى بن إدريس إلى جوار ضريحه في المكان المعروف ب "أبادو" لمدة ثلاثة أيام ابتداء من يوم الأربعاء الثانية من شهر مارس الفلاحي (يصادف يوم فاتح مارس الفلاحي اليوم الرابع عشر من شهر مارس الإداري)، ويقع الإعلام عنه بواسطة النداء في الناس (لبريح) في يوم الأربعاء الأولى من هذا الشهر والدي يصادف يوم السوق الأسبوعية المعروفة ب"سوق أربعاء آيت عتاب" وأول الإشارات المكتوبة إلى هذا الموسم كانت من الفرنسيين في أوائل هذا القرن في مرحلة احتلالهم للمنطقة. وإلى عهد ليس بالبعيد حسب الرواية المستقاة من عدد من المسنين العتابيين فإن مدة الموسم لم تكن تتعدى يومين اثنين هما يوم الخميس ويوم الجمعة، وكان الناس لا يقضون ليلة الخميس إلى الجمعة في مكان إقامة الموسم بل يعود القريبون منهم إلى منازل سكناهم ويوزعون الزوار من خارج القبيلة في ما بينهم حيث يقضون هذه الليلة في ضيافتهم، وفي صباح اليوم الموالي أي يوم الجمعة يعود الجميع إلى موقع الموسم لمواصلة الاحتفال إلى آخر النهار حيث ينتهي الموسم ويتفرق الجميع.
و-أصل الاحتفال بموسم مولاي عيسى ابن إدريس:
أما عن تاريخ بداية هذا الاحتفال فإننا نرى بأنه يعود إلى عهد مولاي عيسى بن إدريس نفسه للتعبير عن محبة سكان هذه المنطقة لآل البيت، وبعد وفاته احتفاء بذكراه، إلا أن ذلك الاحتفال لا يتم بالشكل الذي يجري به الآن، وإنما كان سكان المنطقة يحرصون على إكرامه في حياته الشيء الذي اتخذوا منه عادة فأصبحوا يحضرون الطعام إلى ضريحه في مواعد معينة لإكرام حفدته ونزلاء ذلك الضريح، وهو ما توارثه الخلف عن السلف ، ومن بين قرائننا على ذلك فضلا عن الذبائح التي يقدمها الأفراد طيلة السنة بمناسبة الموسم نسجل ما يلي:
☼ ما تزال بعض القبائل في المنطقة معروفة إلى يومنا هذا بأنواع الأطعمة التي تحرص على إحضارها في مواعد معينة إلى ضريح مولاي عيسى بن إدريس خاصة بمناسبة إقامة الموسم السنوي حيث تقدم إلى جميع النزلاء ومن ضمنهم حفظة القرآن الكريم الذين كانوا يتوافدون على ضريحه بكثرة من المنطقة ومن المناطق المجاورة، ومن ذلك أن قبيلة آيت بوزيد التي تحضر الخبز إلى الضريح يوم الأربعاء في حين أن مشيخة آيت يعزم يهيئون نوع الطعام المعروف ب "التشيشة".
☼ ما زال سكان آت عتاب وبالأخص المسنون منهم عند اقتراب موعد مولاي عيسى بن إدريس لا يتداولون في من بينهم كلمة "الموسم" وإنما يصفونه ب "الخدمة" فيقولون اقترب موعد الخدمة أو أنهم يستعدون لخدمة مولاي عيسى بن إدريس، وكلمة "الخدمة" تعني هنا "تهيئ الطعام للغير" من "طواجين" و "تريد" بالخصوص وهو اصطلاح لا زال مستعملا إلى يومنا هذا في أوساط فئات عريضة من السكان حيث يساهم الجيران والأقارب والأصهار والأصدقاء بما تيسر لهم من طواجين أو قصاع تريد في الحفلات التي يقيمها دووهم أو معارفهم من زواج وختان وعقيقة وحفلات توديع أو استقبال الحجاج خلافا للأطعمة التي يساهمون بها في المآتم فإنهم لا يسمونها خدمة أي أن الخدمة ترتبط دائما بالمناسبات السعيدة.
وفي كل ذلك يقولون بأنهم "يخدمون" لصاحب الحفل بل إن الطعام الذي يهيئونه لهذه الغاية نفسه يسمى "الخدمة" وإذا كانت كلمة "الخدمة" قد ترجع في أصلها إلى عادة تهيئ الطعام لتقديمه إلى مولاي عيسى بن إدريس تكريما له في حياته أو احتفالا بذكراه بعد مماته فإنها أصبحت اليوم تطلق فقط على زيارة الموسم السنوي الذي يقام عليه.
ز- مظاهر الاحتفال بموسم مولاي عيسى ابن إدريس:
أما اليوم فإن الاحتفال بهذا الموسم يتخذ المظاهر التالية:
♥ إقامة ألعاب الفروسية طيلة أيام الموسم بمشاركة جميع الفرق التي تحضر الموسم حسب ترتيب محكم معروف مسبقا من لدن الجميع، ويتابع هذه الألعاب باهتمام كبير كل زوار الموسم.
♥ يتخذ الموسم شكل ملتقى تجاري تعرض فيه مختلف أنواع السلع وخاصة السلع الاستهلاكية سواء من طرف تجار القبيلة أو غيرهم، وكثير منهم يمارسون التجارة بكيفية عرضية، وتعرف بعض الخدمات مثل المقاهي والمطاعم التي تقام في الهواء الطلق وكدا المواد المرتبطة بها رواجا استثنائيا. كما تعرف بعض أنواع السلع والمنتجات مثل الفواكه الجافة من حمص وتين وثمر وزبيب ولوز وجوز وكاوكاو وحلويات وغيرها إقبالا متزايدا، بحيث يشتري كل زائر للموسم ما تيسر له من هذه الفواكه أو بعضها حسب الاستطاعة لتقديمها لعائلته تحت اسم "الزيارة" للتبرك بها، وتشهد الخضر والفواكه الطرية واللحوم في الموسم استهلاكا كبيرا في عين المكان من طرف الوافدين عليه فضلا عما يقتنى منها للاستهلاك في المنازل، ويسمى العتابيون اللحم الذي يشترونه للاستهلاك في منازلهم أيام الموسم ب "الوزيعة" وينتهز عدد من سكان المنطقة هذه المناسبة لاقتناء بعض أنواع الملابس واللعب لإدخال الفرحة على نسائهم وأطفالهم.
♥ وإذا كان الناس يقضون نهارهم خلال أيام الموسم بين مشاهدة ألعاب الفروسية والألعاب البهلوانية والحلقات التي تنظم بهذه المناسبة، وبين تبادل الزيارات في الخيام وقضاء مآربهم إلى جانب ممارستهم لشعائرهم الدينية في الجو الذي تمليه هذه المناسبة ، فإن فئة لا يستهان بها من بينهم تحيي خلال ليالي هذا الموسم سهرات غنائية يستمر بعضها إلى آخر ساعات الليل وذلك على نغمات ورقصات الفرق المحلية أو المجلوبة من المناطق المجاورة. وبحكم الموقع الجغرافي لقبيلة آيت عتاب وتركيبة سكانها فإن هذه السهرات تمتزج فيها الأهازيج الشعبية العربية بالموالات الأمازيغية.
♥ أما المظهر الديني لهذا الموسم فإنه يتجلى على مستويات متعددة منها على الخصوص تلاوة آيا ت بينات من كتاب الله عز وجل وأمداح نبوية شريفة بضريح مولاي عيسى بن إدريس طيلة أيام وليالي الموسم.
♥ إقامة صلاة الجمعة بمسجد ضريح مولاي عيسى بن إدريس وما أن ينادي المؤذن لصلاة الجمعة حتى تتوقف كل الأنشطة بما فيها ألعاب الفروسية ويسعى الناس إلى ذكر الله. والجدير بالملاحظة في هذا الصدد أن صلاة الجمعة قد نقلت مراسيمها مرة واحدة بمناسبة الموسم في أوائل الثمانينات مباشرة على أمواج الإذاعة من مسجد ضريح مولاي عيسى بن إدريس بآيت عتاب.
♥ قيام معظم زوار الموسم من رجال ونساء وأطفال ومن ضمنهم فرق الفروسية طيلة أيام الموسم بزيارة ضريح مولاي عيسى بن إدريس، ويقوم عدد من هؤلاء الزوار بتقديم ما تيسر لهم من هدايا في شكل نقود أو ذبائح أو شمع أو غيرها.
♥ وإلى جانب هذه المظاهر الشعبية للاحتفال بموسم مولاي عيسى بن إدريس هناك طابع رسمي لهذا الموسم يتمثل في قيام الهيئة المنتخبة بتعاون مع السلطة المحلية بتنصيب خيمة كبيرة لاستقبال ضيوفهم الرسميين وغيرهم فضلا عن السهر على إعطاء هذا الموسم المظهر اللائق به وتوفير الظروف الملائمة لحسن سيره من أمن وإنارة ونظام، ويتميز آخر يوم من أيام الموسم وهو يوم الجمعة بالزيارة الرسمية التي يقوم بها عامل الإقليم الذي لوحظ ولاسيما في عقدي السبعينات والثمانينات بأنه يكون برفقته واحد أو أكثر من أعضاء الحكومة.
♥ وكان هذا الموسم في ما مضى يعد مناسبة لرؤساء قبيلة آيت عتاب والقبائل المجاورة للاجتماع بقصد التشاور فيما بينهم حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، بل ويتخذون أثناءها بعض القرارات الحاسمة.
ومن ذلك ما احتفظت به التقارير الفرنسية من أن زعماء القبائل المتاخمة لقصبة بني ملال قد اتفقوا بمناسبة انعقاد هذا الموسم في سنة 1915 على خطة هجوم مشتركة على جيش الاحتلال الفرنسي، ونفد فعلا هذا الهجوم يوم 15 مايو 1915م.
وتجدر الإشارة في الأخير إلى أن مولاي عيسى بن إدريس له بعض الآثار في الحياة اليومية لسكان قبيلة آيت عتاب كما يتضح دلك من الأمثلة التالية:
♠ كان حجاج آيت عتاب في القديم، عندما يعقدون العزم على أداء هذه الفريضة راجلين، قبل خروجهم من آيت عتاب يجتمعون في ضريح مولاي عيسى بن إدريس، ومنه ينطلقون وهم يرددون: "مايران الحج هاتوادا" أي (من يريد الحج ها نحن ذاهبون).
♠ هناك عدد من سكان آيت عتاب يسمون أبنائهم باسم عيسى تيمنا باسم هذا الولي الصالح، وعلاوة على الأسماء الشخصية هناك من يتخذ من هذا الاسم اسما عائليا له.
♠ تستحضر بعض الفئات وفي بعض المناسبات اسم مولاي عيسى بن إدريس للتبرك به ومنها فرق الفنون الشعبية المحلية المعروف ب"العامة" التي تستهل أي حفل لها بالعبارات التالية: "أشاي الله ، أضيف الله ، أيا مول القبيبة مولاي إدريس"، والمقصود بمولاي إدريس هو مولاي عيسى بن إدريس، وكدا الفلاحون الدين يرددون عند عملية درس الحبوب باستخدام الحيوانات التي تدور على كومة السنابل المحصودة العبارة التالية، "الهريس، الهريس، أمولاي إدريس" متوسلين بهذا الوالي إلى الله سبحانه وتعالى بأن يسهل عملية الدرس.
♠ ومن جهة أخرى فإن ضريح مولاي عيسى بن إدريس كان وإلى عهد قريب يعرف موسما سنويا مصغرا بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف تجتمع فيه الفتيات البالغات سن الزواج والراغبات فيه من المداشر المجاورة رفقة جداتهن أو أمهاتهن أو إحدى النساء المسنات من الأقارب أو الجيران حيث يمكن لمن يرغب في الزواج من أحداهن أن ينظر إليها بهذه المناسبة، وإذا ما وقع اختيار أحدهم على إحداهن فإنه يتصل بالمرأة المسنة المرافقة لها فيطلب المعلومات التي يراها ضرورية عنها، ويشتري لها كهدية شيئا من التمر والحناء وبعض المأكولات المتوفرة في عين المكان، كما يعرفها بنفسه لتبليغ الأمر إلى عائلتها، بعد ذلك يتقدم إلى ولي أمرها لطلب خطبتها، وإتمام باقي الإجراءات إدا حصل الاتفاق بين الطرفين. وإن إقامة مثل هذا الموسم المصغر ليس خاصا بمولاي عيسى بن إدريس، بل إن هذه العادة كانت معروفة أيضا على مستوى أضرحة أولياء آخرين في القبيلة نفسها مثل مولاي بوعنان في أولاد غنام وسيدي حديدو في آيت يعزم .