السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فضل علم الأنساب وفائدته ومسيس الحاجة إليه
لا خفاء أن المعرفة بعلم الانساب من الأمور المطلوبة والمعارف المندوبة لما يترتب عليها من الأحكام الشرعية والمعالم الدينية، فقد وردت الشريعة المطهرة باعتبارها في مواضع منها:
* العلم بنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه النبي القرشي الذي ولد بمكة وبُعث بها ثم هاجر إلى المدينة ومات ودفن فيها.
* التعارف بين الناس حتى لا يعتزي أحد إلى غير ءابائه ولا ينتسب إلى سوى أجداده وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} [سورة الحجرات]، وعلى ذلك تترتب أحكام الورثة فيحجب بعضهم بعضًا، وأحكام الأولياء في النكاح فيُقَدَّم بعضهم على بعض، وأحكام الوقف إذا خص الواقف بعض الأقارب أو بعض الطبقات دون بعض، وأحكام العاقلة في الدية حتى تضرب الدية على بعض العصبة دون بعض وما يجري مجرى ذلك، فلولا معرفة الأنساب لفات إدراك هذه الأمور وتعذر الوصول إليها.
* معرفة الأرحام وذلك لما ورد من الحثّ على صلة الرحم وهل تُعرف الأرحام إلا بمعرفة النسب.
* العلم بأنساب ءال البيت النبوي لما يترتب عليه من أحكام منها أنهم لا تُعطى لهم الزكاة لحديث مسلم وأحمد: "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد"، وءال محمد فيما يتعلق بالزكاة ونحوها هم: ءال علي وءال جعفر وءال عقيل وءال العباس، إضافة إلى حفظ نسبهم وصونه من أن ينتسب اليهم من ليس منهم ولذا كانت وظيفة نقابة السادة الأشراف في الديار الإسلامية لما لها من أهمية وفائدة.
* العلم بنسب بني المطلب فإنهم يلتحقون ببني هاشم بأنهم لا يُعطون أيضًا من الزكاة، فهاشم والمطلب أخوان وهما ابنا عبد مناف.
* اعتبار النَّسب في الإمامة التى هي الزعامة العظمى فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأئمة من قريش"، رواه النسائي وأحمد والبيهقي وغيرهم.
قال الشافعية: فإن لم يوجد قرشي اعتُبر كونه كِنانيًّا من ولد كِنانة بن خزيمة، فإن تعذر اعتُبر كونه من بني إسماعيل عليه السلام، فإن تعذر اعتُبر كونه من جُرهم لشرفهم بصهارة إسماعيل، لكن هذا ما دام في قريش من هو صالح للإمامة، فإذا فُقِد فيهم من هو صالح لذلك فيجوز أن يتولى الإمامة غيره، فلولا المعرفة بعلم النسب لفاتت معرفة هذه القبائل.
* اعتبار النسب في كفاءة الزوج للزوجة في النكاح.
* وفي المرأة المنكوحة فقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تُنكَحُ المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تَرِبَت يداك "، فراعى النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة الحَسَبَ وهو الشرف في الآباء.
* معرفة من انتسب إلى غير أبيه، فلولا علم النسب لفات هذا أيضا وادعى أيا كان النسب الشريف أو غيره.
ويكفي هذا العلم فضلا أن أبا بكر الصديق الخليفة الراشد رضي الله عنه كان له مقام رفيع فيه وذلك أول دليل وأعظم شاهد على شرف هذا العلم وجلالة قدره، وكذا ابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وابن عباس، وجبير بن مطعم وغيرهم خلق كثير من الفضلاء رضي الله تعالى عنهم وفي هذا شاهد ظاهر على شرف هذا العلم وفضله. وقد صنف في علم الأنساب جماعة من جملة العلماء وأعيانهم وهو دليل شرفه ورفعة قدره.أوصاف النسابة
يشترط للمشتغل بهذا العلم أن تجتمع فيه شروط عديدة نذكر أهمها:
أوَّلا: أن يكون تقيًّا لئلا يرتشي على الأنساب كما نقل بعض المؤرخين والنسابة أن بعض من اشتغل بهذا الفن كان يرتشي على النسب.
ثانيًا: أن يكون صادقًا لئلا يكذب في النسب فينفي الثابت ويثبت اللصيق.
ثالثًا: أن يكون مجتنبًا للرذائل والفواحش وخوارم المرؤة متخلقًا بأخلاق أمثاله وذلك ليكون مهيبًا في نفوس الخاصة والعامة فإذا أثبت أو نفى لا يعترض عليه.
رابعًا: أن يكون راسخ العلم في هذا الفن، ذا فهم صائب، وحفظ جيد، واطلاع واسع، إضافة إلى معرفة بالشرع وأحكامه لاسيما ما يتعلق بأهل البيت النبوي الشريف من أحكام.
خامسًا: أن يكون متصفًا بالتأني والتروي مبتعدًا عن التسرع والإهمال، يتثبت من النسب قبل أن يعطي رأيه.
سادسًا: أن يكون قوي النفس لئلا يُرهبه بعض أهل الشوكة فيأمره بباطل أو ينهاه عن حق.
وزادوا على ذلك أمرًا فقالوا: ومن صفاته المستحسنة أن يكون جيد الخط فإن التشجير لا يليق به إلا الخط الحسن.
في معرفة طبقات الانساب وما يلحق بذلك
قال النسابون: إن نسب العرب اليوم إما إلى عدنان وإما إلى قحطان وفيهما جُمع نسب العرب، لكن لمَّا كَثُرَ الاختلاف في عدد الآباء وأسمائهم فيما فوق ذلك وشق على العرب تشعب المناهج وتصعب المسالك قطع الخوض فيما فوق قحطان وعدنان واقتصر على صحة ما دونهما.
قال القلقشندي في نهاية الأرب ص/20: "عد أهل اللغة طبقات الأنساب ست طبقات.
(الطبقة الاولى): الشعب: بفتح الشين وهو النسب الأبعد كعدنان مثلا. قال الجوهري: وهو أبو القبائل الذي ينسبون إليه، ويجمع على شعوب. قال الماوردي في الأحكام السلطانية: وسمي شعبا لأن القبائل تتشعب منه" اهــ.
وقال أبو الهدى الصيادي نقيب السادة الأشراف في حلب في الروض البسام ص/: " الشعوب أحدها شَعب وشِعب يقال في القبيلة بالفتح وفي الجيل بالكسر وهو الذي يجمع القبائل وتنشعب منه ويشبه الرأس من الجسد ، قال الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} [سورة الحجرات] الآية" اهـ.
قال القلقشندي: "(الطبقة الاولى): القبيلة: وهي ما انقسم فيها الشعب كربيعة ومضر. قال الماوردي: وسميت قبيلة لتقابل الأنساب فيها، وتجمع القبيلة على قبائل وربما سميت القبائل جماجم أيضا كما يقتضيه كلام الجوهري حيث قال: وجماجم العرب هي القبائل التي تجمع البطون".
قال أبو الهدى: " القبيلة وهي التي دون الشعب ، وهي التي تجمع العمائر، وإنما سميت قبائل لتقابل بعضها ببعض واستوائها في العدد، وهي بمنزلة الصدر من الجسد".
قال القلقشندي: "(الطبقة الثالثة): العمارة: بكسر العين وهي ما انقسم فيه أنساب القبيلة كقريش وكنانة ويجمع على عمارات وعماير".
قال أبو الهدى: " العمائر واحدها عِمارة وهي التي تجمع البطون وهي دون القبائل، وهي بمنزلة اليدين من الجسد".
قال القلقشندي: "(الطبقة الرابعة): البطن: وهو ما انقسم فيه أنساب العمارة كبني عبد مناف، وبني مخزوم، ويجمع على بطون وأبطن".
قال أبو الهدى: "البطون واحدها بطن وهي التي تجمع الأفخاذ".
قال القلقشندي: "(الطبقة الخامسة): الفخذ: وهو ما انقسم فيه أنساب البطن كبني هاشم، وبني أمية، ويجمع على أفخاذ".
قال أبو الهدى: "الأفخاذ ويقال للفرقة التي تنشعب من البطن، وفي هذه التسمية إشارة لقرب الفخذ من البطن".
قال القلقشندي: "(الطبقة السادسة): الفصيلة: بالصاد المهملة وهي ما انقسم فيه أنساب الفخذ كبني العباس. قلت: هكذا رتبها الماوردي في الأحكام السلطانية، وعلى نحو ذلك جرى الزمخشري في تفسيره في الكلام على قوله تعالى: {وجعلناكم شعوبًا وقبائل} إلا أنه مثل الشعب بخزيمة، وللقبيلة بكنانة، وللعمارة بقريش، وللبطن بقصي، وللفخذ بهاشم، وللفصيلة بالعباس، وبالجملة فالفخذ يجمع القبائل، والبطن يجمع الأفخاذ، والعمار تجمع البطون، والقبيلة تجمع العمائر، والشعب يجمع القبائل".
قال أبو الهدى: "الفصائل واحدها فصيلة وهي أهل بيت الرجل وخاصته، قال الله تعالى: {يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه} [سورة المعارج]، وهي بمنزلة القدم وهي مفصل يشتمل على عدة مفاصل".
قال القلقشندي: "قال النووي في تحرير التنبيه: وزاد بعضهم العشيرة قبل الفصيلة. قال الجوهري: وعشيرة الرجل هم رهطه الأدنون. قال أبو عبيدة عن ابن الكلبي عن أبيه: تقديم الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم الفخذ، فأقام الفصيلة مقام العمارة في ذكرها بعد القبيلة، والعمارة مقام الفصيلة في ذكرها قبل الفخذ، ولم ينكر ما يخالفه. ولا يخفى أن الترتيب الأول أولى وكأنهم رتبوا ذلك على بنية الإنسان فجعلوا الشعب بمثابة أعلى الرأس، والقبائل بمثابة قبائل الرأس وهي القطع المشعوب بعضها إلى بعض تصل بها الشؤون وهي القنوات التي في القحف لجريان الدمع، وقد ذكر الجوهري أن قبائل العرب إنما سميت بقبائل الرأس، وجعلوا العمارة تلو ذلك إقامة للشعب والقبيلة مقام الاساس من البناء، وبعد الأساس تكون العمارة وهي بمثابة العنق والصدر من الإنسان، وجعلوا البطن تلو العمارة لأنها الموجود من البدن بعد العنق والصدر، وجعلوا الفخذ تلو البطن لأن الفخذ من الإنسان بعد البطن، وجعلوا الفصيلة تلو الفخذ لأنها النسب الأدنى الذي يصل عنه الرجل بمثابة الساق والقدم إذ المراد بالفصيلة العشيرة الأدنون بدليل قوله تعالى: {وفصيلته التي تؤويه} أي تضمه إليها، ولا يضم الرجل إليه إلا أقرب عشيرته.
واعلم أن أكثر ما يدور على الألسنة من الطبقات الست المتقدمة القبيلة ثم البطن وقل أن تذكر العمارة والفخذ والفصيلة، وربما عبر عن كل واحد من الطبقات الست بالحي إما على العموم مثل أن يقال: حي من العرب وإما على الخصوص مثل أن يقال حي من بني فلان" انتهى كلام القلقشندي.
قال أبو الهدى: " العشائر واحدها عشيرة وهم الذين يتعاقلون إلى أربع ءاباء، وسميت بذلك لمعاشرة الرجل ايام قال الله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} الآية [سورة الشعراء 214] فدعا النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا إلى أن اقتصر على عبد مناف وهم يجتمعون معه في الجد الرابع فمن هنا جرت السنة بالمعاقلة إلى أربعة، وهم بمنزلة الساقين من الجسد يُعتمد عليهما دون الأفخاذ".
وزاد أبو الهدى الرهط والأسرة فقال: "فهم رهط الرجل وأسرته وهي بمنزلة القدم، والرهط دون العشرة والأسرة أكثر من ذلك قال الله تعالى: {وكان بالمدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} [سورة النمل]، وقال أبو طالب في قصيدته:
وأَحضرتُ عندَ البَيتِ رهطي وأسرَتي * وأمسكتُ في أبوابِهِ بالوَصَائِلِ
عنى برهطه بني أبيه عبد المطلب وكانوا دون العشرة، وأسرته من بني عبد مناف الذين عاضدوه على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم".