(رحلة السيد أحمد بن إدريس من فاس إلى المشرق)
بدأت رحلته من فاس أواسط عام 1212 هجري – 1797 ميلادي. ومر في طريقه على الجزائر وتونس وطرابلس و بنغازي .. كل ذلك سيراً، وكان طريق البر من بنغازي إلى حدود مصر تَحُفُهُ المخاطر من بعض الأعراب المتحاربين.. لذلك قرر الركوب بحراً من بنغازي إلى الإسكندرية بعد أن مكث في بنغازي مدة من الزمن تعرف أثناءها على بعض العائلات وألقى دروساً في بعض مساجدها وأثنى على أهلها وعلى أهل الجبل الأخضر وبرقه وقال فيهم "هذه بلادنا.. فيها تحيا أورادنا.. حيها سعيد و ميتها شهيد .. طوبى لمن أراد الخير بأهلها وويلٌ لمن أراد الشر بأهلها" وكانت إشارته هذه إلى السيد محمد بن علي السنوسي حيث هو الذي أخذ عنه وهو خليفته الذي أحيا علومه وأوراده.. ثم أبحر من بنغازي عام 1213 هجري 1798 – ميلادي. بمركب شراعي إلى الإسكندرية، وعند وصوله إليها ونزوله بالجمرك كانت معه كُتبٌ ثمينة قيمة لا تُفارقه لحظة و لا يرضى بها بديلاً .. فجاء المفتشون بالجمرك وسألوه عنها وكانت الكتب داخل أكياس محكمة القفل لأجل الحمل في السفر، فقال لهم: هذه كُتُب..فأخذوا يطعنون الأكياس بأسياخ الحديد المجوفة وهو يصيح ويقول لهم "حرام ٌ عليكم لا تمزقوا كتبي" فلم يلتفتوا إليه .. عند ذلك رفع يديه إلى السماء وقال: يا رب.. جيب لهم النصارى .. أي سلط عليهم النصارى. وقد استجاب الله دعاءه فلم تنتهي تلك السنة حتى دخلها القائد الفرنسي نابليون بجيوشه سنة 1213 هجري – 1798 – ميلادي. واستولى على الإسكندرية وسواحلها .. وبعد وصول الإمام إلى القاهرة توقف بالأزهر مدة يسيرة قام خلالها بإلقاء بعض الدروس في جامع الأزهر .. فأُعجب به كل من حضره وسمع عنه .. و لذلك أخذ عنه شيوخٌ كثيرون، ورافقه بعضهم إلى الحجاز .. ودخل مكة آخر عام 1213 هجري – 1799 ميلادي. ومكث في الحرمين الشريفين ما بين مكة والمدينة والطائف قُرابة ثلاثين عاماً قضاها في التدريس ونفع العباد وإرشادهم إلى الطريق المستقيم ودعوتهم للعمل بما يوجبه عليهم دينهم الإسلامي الحنيف.. هذا وقد خرج الإمام بن إدريس من مكة قاصداً الصعيد بمصر لغير مرة .. قام خلالها بالدعوة إلى الله .. وأخذ العلم في الصعيد عن الشيخين الجليلين (حسن بن حسن الفنائي) و(محمود الكردي) .. ثم عاد إلى مكة المكرمة دون إقامة طويلة وإنما كانت جملة إقامته في الصعيد حوالي خمسة أعوام. ولم يبق خلال هذه الفترة عالم من علماء الحرمين الشريفين أو ممن يفد على الحرمين إلا وتتلمذ عليه وأخذ عنه .. وممن أخذ عنه الشيخ محمد بن عثمان المرغني "مؤسس الطريقة المرغنية" والشيخ إبراهيم الرشيدي مؤسس الطريقة الرشيدية والشيخ محمد حسن ظافر المدني الدرقاوي والشيخ محمد عابد سندي صاحب الأسانيد المُسمّاة "حصر الشارد في أسانيد محمد عابد" ومنهم الشيخ (محمد الصاوي الخلوتي) خليفة الشيخ "دردير" ومنهم العلامة عبد الرحمن بن سليمان الأهدل مفتي زبيد، ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن أحمد البهكلي قاضي بيت الفقيه ومنهم أحمد بن عبدالله صائم الدهر ومنهم العلاّمة أحمد بن محمد الديلمي من قضاة زُبيد والشيخ سليمان بن أبي القاسم الأهدل والعلامة عبد الكريم العنسمي .. وغيرهم ممن لا يُحصون .. وتخرج على يديه أعلامٌ خدموا هذا الدين الإسلامي الحنيف – جزاه الله عن المسلمين خير الجزاء - وأثناء وجوده بمكة سنة 1218 هجري – 1803 – ميلادي. دخلها السعوديون وكانوا يطلقون عليهم "الوهابيون" لإتباعهم الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) داعية نجد، وكان أميرهم إذ ذاك الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود.. ثم خرجوا من الحجاز وبعد وفاة الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود عام 1220 هجري – 1805 – ميلادي. تولى ابنه الإمام سعود الكبير بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ودخل الحجاز ثانياً عام 1221 هجري – 1806 – ميلادي. ومكث السعوديون بالحجاز سبع سنوات.. ثم حاربهم حاكم مصر (محمد علي باشا) بأمر من الحكومة العثمانية وأخرجهم عام 1228 هجري – 1813 – ميلادي. وكان أمير مكة إذ ذاك من الأشراف واسمه الشريف (غالب بن مساعد).
(دخول الأمير سعود بن عبد العزيز لمكة و لقائه السيد أحمد بن إدريس)
كان للسيد أحمد بن إدريس أتباع كثيرون..و كان بعضهم قد تصدى للرد والقدح في معتقد الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) فلما قدر الله وجاءت الجيوش السُعودية لاحتلال مكة، قال هؤلاء العلماء للسيد أحمد بن إدريس: أُخرج بنا من مكة لأنهم إن وجدونا بها بطشوا بنا، فقال لهم إنني لا آمر أحداً منكم بالخروج من مكة ولا أنهاه .. غير أني أقول لكم: من بقى فلن يلحقه إلا الخير إن شاء الله تعالى.., أما أنا فإني مقيم بمكة ولن أخرج منها.. فهرب بعضهم و بقي البعض الآخر .. وبعد وصول الأمير سعود ودخوله مكة، وقد كان شديداً ومتعصباً لمذهبه .. جاءه السيد أحمد بن إدريس حسب العادة للتهنئة والسلام عليه.. فقابله بن سعود بحفاوة بالغة وأكرمه إكراماً عظيماً وألبسه مشلحاً بيده ثم قال له: يا شيخ كنا أحق بزيارتك وما كنت لتكلف نفسك.. ثم اصدر أوامره إلى كافة حاشيته بعدم التعدي على أحدٍ من أتباع السيد بن إدريس.. كما عفا عن أصحابه الذين كانوا يطعنون في معتقد الشيخ (بن عبد الوهاب) وكان الإمام سعود الكبير هذا قد أمر بتقتيلهم من قبل ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة .. فعفا عنهم وحقن دماءهم .. وهذه سجايا آل سعود ومكارم أخلاقهم التي ورثوها عن أوائلهم وهي العفو عند المقدرة وألا يؤاخذ المسيء بإساءته، وقبول عذر المعتذر مهما كان ذنبه .. وبذلك مكن الله لهم في البلاد وسخر لهم القلوب والعباد، والله لا يضيع من أحسن عملا.. فتعجب الناس لهذا التسخير الإلهي.. ثُم إن السيد أحمد بن إدريس أمر أتباعه بعدم المجادلة أو المناظرة مع أي إنسان .. وإذا سُئلوا عن أي قول أو مذهب يقولون: لا إله إلا الله فقط. وصار هذا ديدنهم مدة وجود السعوديين بمكة وهي الفترة من 1121 هجري – 1709 ميلادي. إلى غاية عام 1228 هجري – 1813 – ميلادي.
يتبع....