الحلقة الثالثة :
ثانيا: حياته(2):
حين ننتقل إلى قصة أخرى أصبحت أكثر تداولا ـ في السنوات الأخيرة ـ بين عدد من الباحثين في كتاباتهم و خطاباتهم فسنجد هناك بعض التناقضات مع القصة السابقة مما يستلزم كثيرا من التحري و التقصي و المقارنة و المقاربة للتوفيق بين القصتين فيقبل ما هو منطقي و يرفض ما هو من نسيج الخيال و الغريب في الأمر أن الأخ الدكتور الحسين شوقي و هو مؤرخ متخصص في تاريخ قبيلة السراغنة ذكر أن سيدي إدريس عاش في القرن العاشر الهجري و في الوقت ذاته يورد قصة سيدي إدريس مع بويا عمر في بعض كتبه و يؤكد ذلك في بحث له ما زال مخطوطا بعنوان :" التأسيس للتعريف بالولي سيدي إدريس بالسراغنة وتاساوت " دون أن يثير ذلك انتباهه .
تقول القصة :"إن الولي الصالح (بويا عمر) وهو من مواليد نحو 1580م = 588هـ و من حفدة سيدي رحال عاش أميا إلى أن بلغ الأربعين من عمره ثم تاقت نفسه إلى أخذ العلم فشد الرحال إلى الزاوية الناصرية و تتلمذ تقول الرواية : لسيدي محمد بن إبراهيم الأنصاري (580هـ -1573م = 1052هـ -1642م) و استطاع في مدة شهر أن يحصل جملة من العلوم مما يستغرق فيه غيره من طلبة العلم أربعين عاما السبب الذي من أجله خلع عليه الشيخ " دربالته " و بعد وفاة الشيخ المذكور آنفا خلفه ابنه سيدي امحمد بن ناصر(1011هـ=1602م= 1085هـ - 1674م) وهو من كبار علماء المغرب في وقته حتى قيل " لولا ثلاثة لانقطع العلم من المغرب في القرن الحادي عشر لكثرة الفتن فيه و هم سيدي محمد بن ناصر في درعة و سيدي محمد بن أبي بكر الدلائي في الدلاء و سيدي عبد القادر الفاسي "و هو الذي تولى أمور الزاوية فيما بعد ومنها مهمة تدريس بو ياعمر، فانبهر الشيخ الجديد مثل والده المتوفى بتفوق «الطالب» القادم من ضفاف تساوت على باقي زملائه البالغ عددهم 1400 فمنحه «اجازة» تخول له ان يقيم زاوية يعلم فيها القران للجن والانس، وخلال توديعه لتلميذه النابغة، سلمه مرآة هندية لها من خصائص السحرية ما يتيح لها علاج مرض التهاب السحايا الشوكية المعروف محليا تحت اسم «اللقوة» ضمن امراض اخرى كثيرة.
و فور عودته من زاوية تامكروت انشأ بويا عمر «محضرة» أي حلقة يجتمع فيها الإنس مع الجان لتلاوة القران الكريم، وتأكدت بعد ذلك سلطته المطلقة على كائنات الخفاء، حتى صار في امكانه معالجة «اللقوة» دونما حاجة الى «المرآة الهندية» فقام بإهدائها – هو الآخر - إلى احد تلامذته المقربين لديه، وهو سيدي إدريس الذي نحن بصدد التعريف به .
تضعنا هذه القصة أمام احتمال أن سيدي إدريس لم يدرك سيدي رحال: و أن القصة التي سبق ذكرها لم تحدث معه و إنما مع ابنه سيدي عبد العزيز كما تقول بعض الروايات و لعل هذا هو الصواب و من ثم يصبح تاريخ ميلاد سيدي إدريس ما بين أواخر القرن العاشر و أوائل القرن الحادي عشر الهجريين ليكون منسجما مع تاريخ ميلاد أستاذه سيدي عمر بن عبد العزيز (588هـ)