........................ يتبع .......................
وممن سجلها نثرا الأديب أحمدو بن البشير الشنقيطي حيث لخصها في شكل مقامة رائعة أبدع فيها وأجاد وأبرز النقاط المهمة بأسلوب شيق ممتع وسماها المقامة الجملية فقال:
حدث البخاري قال: كنت في بعض السنين، مغتربا في أرض السوادين، أمارس التجارة، مع رفقاء أهل مهارة، فذهبت من اللَُّوكَ بالسَّنَغَالْ، متجها إلى روصو على الجمال، وكان العام عام حذر، كثر فيه على التجار الخطر، وكان الحاكم في تلك البلاد، قد أرهق جميع العباد، وقد أرسل عيونه في الأمصار تراقب جميع التجار، وكانت التجارة عندهم بالمحظور، فيها الربح والغرور، بينما تجارة المباح، لا تجلب الكثير من الأرباح، وكنت أنا والرفاق، نتاجر بها في الآفاق، وذات ليلة ليلاء، شديدة الظلماء، خرجنا من اللُّوكَ متنكرين، بجمال موقورة بكل ثمين، وما كدنا نخرج من المدينة، يغمرنا الخوف والسكينة، حتى سمعنا أصواتا غريبة، تصدر من جهة رهيبة، فاعترانا الخوف والهلع، وانتابنا الحزن والجزع، وما لبثنا أن نفرت الجمال، وألقت الأحمال، وتفرق أصحابي في الغابة، وبقيت في حزن وكآبه، وقد ألقى جملي حمليه، وأطلق للريح رجليه، فتأملت فإذا أنا بجانب مقبرة، في تلك الناحية مشتهرة، فتذكرت أنها مقبرة الدومة الخضراء، المعروفة في تلك الأنحاء، وفيها ابن العم ذو الوفا، محمد عبد الله بن محمد المصطفى، وهو الشريف السباعي، ذو الكرامات، التي تواترت بها الحكايات، فقررت أن أناديه في الحال، وأتوسل به إلى ذي الجلال، فقرأت عددا من الإخلاص لروحه، واقتربت من ضريحه، فقلت يا ابن العم الشريف، أنقذني من الكرب المخيف، فبمثلك يستجار، وقد كنت تحمي الجار، فما هي إلا لمحة أو أقل، حتى أقبل يقود الجمل، وأناخه بجانب الأحمال، وبدأ يحمل معي الأثقال، حتى عاد كل شيء على ما يرام، وناولني الزمام، وأشار علي بالسلام، والمسير إلى الأمام، وعاد من حيث جاء، مرتديا ثيابا بيضا، فانطلقت وأنا أشعر بالأمان، والفرح والاطمئنان، فقلت في نفسي يالك من كرامة، تنبئ عن الشهامة، ولم ألبث أن التحقت بالرفاق، والتأمنا بعد افتراق، فحدثتهم بالخبر، فكان من أغرب العبر، فاتفقوا أجمعين، أنه كان من أهل التمكين، وأن مزاره في تلك البقاع، مجرب أمره وقد شاع.
ومن أبرز العلماء والشعراء الذين تحدثوا عن هذه الحادثة الغريبة، التي إن دلت على شيء فإنما تدل على الصلاح الخارق للعادة: الشريف الأمجد، والعلامة الأوحد: الشريف أحمد بزيد بن العالم الذي يقول في رثاء ابن عمه، وصديقه الحميم الشريف الأمثل محمد الأمين بن محمد عبد الله ابن عبد الودود من قصيدة له:
*كَمَا نَالَ عَبْدُ اللهِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ**أَبُوهُ فُنُونَ الْعِلْمِ بِالْوَهْبِ وَالْكَسْبِ*
*وَكَانَ الَّذِي لَبَّى وَفِي قَعْرِ قَبْرِهِ**نِدَاءَ أَخِي حِمْلٍ لَهُ سِيمَ بِالنَّهْبِ*
*فَسَنَّـى لَهُ رَفْعَ الْمَتَاعِ بِسُرْعَةٍ**عَلَى جَمَلٍ ثُمَّ انْتَحَى أَوَّلَ الرَّكْبِ*
*هُمَاسَيِّدَا ذَا الْقُطْرِ فِي الدِّينِ وَالنَّدَى**وَجَمْعِ الْمَعَاليِ فيِ الشَّدَائِدِ وَالْخِصْبِ*
*سَلِيلاَ الْفَتَى عَبْدِ الْوَدُودِ الَّذِي سَمَا**عَلَى كُلِّ ذِي جُودٍ وَلَوْ كَانَ كَالسُّحْبِ*
*وَلاَ تَعْجَبُوا آلُ النَّبِيِّ خِصَالُهُمْ* تَفُوتُ خِصَالَ النَّاسِ مِ الْعُجْمِ وَالْعُرْبِ*
وأحمد بزيد هذا هو: الشريف العالم الأديب أحمد بزيد بن ابراهيم الخليل بن لحبيب بن سيد محمد بن العالم بن عبد الله بن سيدي محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن الطالب ببكر بن ادْمَيْسْ.
وقد ولد سنة 1915م، وتوفي 1987م ودفن ب"آكْرَيْدِيلْ" 49 كلم شمالي نواكشوط، وكان عالما لغويا، وشاعرا مفلقا، وفقيها متفوقا، ومشتهرا بالسخاء، والذكاء، وسرعة البديهة، والرماية المتفوقة، وهو من خريجي محظرة "اشْبِيهْ" ابن ابُّوهْ اليعقوبي، الموسوي.
نماذج من مراثي الشريف محمد عبد الله:
يقول القاضي الامام بن اشريف بن سيد احمد بن الصبار المجلسي المتوفى سنة 1987م من قصيدة له:
*رَحْمَةَ اللهِ بَادِرِي بِالْوَفَاءِ**لِخَلِيلٍ قَدْ عَزَّ عَنْهُ عَزَائِي*
إلى أن يقول:
*ذَاكَ عَبْدُ الإِلَهِ بَعْدَ مُحَمَّدْ**مَنْبَعُ الْفَضْلِ وَالتُّقَى وَالْوَفَاءِ*
ويقول أحمدو بن أسند الجكني بمناسبة زيارته لضريحه بمدينة اللوك السنغالية من قصيدة له:
*زُرْتُ دَفِينَ الدَّوْمَةِ الْخَضْرَاءِ**بِاللُّوكَ لِلْمَطْلُوبِ وَالْحَوْجَاءِ*
إلى أن يقول:
*مُحَمَّدًا عَبْدَ الإِلَهِ الرَّائِي**بِقَلْبِهِ حَقَائِقَ الأَشْيَاءِ*
*وَمُنْجِدَ الْمَلْهُوفِ فِي الظَّلْمَاءِ**بِذَلِكَ الْجَمَلِ فِي الْبَيْدَاءِ*
*إِذْ نَدَّ مِنْ مَلاَعِبِ الضَّوْضَاءِ**وَذَا شُهُودُهُ بِلاَ مِرَاءِ*
*أَبْنَا أَبِي السِّبَاعِ فِي الْهَيْجَاءِ**وَنُزْهَةِ الشَّاكِي مِنَ الْعَنَاءِ*
ويقول العلامة الأديب أحمدُّ بن محمدا بن البشير من قصيدة له:
*بَيْنَمَا نَحْنُ فِي هُدُوءِ اللَّيَالِي* وَصَفًا فِي أَيَّامِنَا وَاعْتِدَالِ
إلى أن يقول:
*إِذْ دَعَا نَحْوَهُ الإِلَهُ مَحَمَّدْ**عَبْدَهُ لِلْجَزَا بِدَارِ الْمَآلِ*
ويقول أيضا من قصدة طويلة أخرى:
*مَا هَيَّجَ الأَشْجَانَ لِلرُّهْبَانِ**مِثْلُ الْحِسَانِ تَمِيسُ مَيْسَ الْبَانِ*
إلى أن يقول:
*وَمُحَمَّدٌ عَبْدُ الإِلَهِ ضَرِيحُهُ**بِاللُّوكَ نَجْدَةُ كُلِّمَا إِنْسَانِ*
*فَلِصَاحِبِ الْجَمَلِ الَّذِي بِجَنَابِهِ**أَلْقَى الْحُمُولَ فَفَرَّ كَالْغِيلاَنِ*
*فَأَتَى بِهِ يَقْتَادُهُ وَحُمُولَهُ**قَدْ رَدَّهَا وَكَفَى مِنَ الأَعْوَانِ*
*وَمِنَ اللُّصُوصِ أَزَالَ عَنْهُ مَخَاوِفًا**فِي صَدْرِهِ قَدْ كُنَّ كَالنِّيرَانِ*
*ذَا فِعْلُهُ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَفِعْلُهُ**بِحَيَاتِهِ يَابَى عَنِ النُّكْرَانِ*
*فِي عِلْمِهِ وَصَلاَحِهِ وَذَكَائِهِ**مَا إِنْ رَأَيْتُ لِوَتْرِهِ مِنْ ثَانِ*
*حَدِّثْ بِمَا قَدْ شِئْتَهُ مِنْ فَضْلِهِ**فَلَهُ الَّذِي يَسْمُو عَنِ التِّبْيَانِ*
وقال سيد بن أحمدُّ بن عابدين بن أباه الشريف من قصيدة له:
*مُحَمَّدُ عَبْدُ اللهِ وَالِدُهُ الرِّضَى**لَقَدْ فَاقَ بَيْنَ النَّاسِ فيِ الْبَدْوِوَالحَضْرِ*
*وَمَدْفَنُهُ بِاللُّوكَ تَسْقِي ضَرِيحَهُ***سَحَائِبُ رِضْوَانٍ تَسُحُّ عَلَى الْقَبْرِ*
وقال الامام بن اشريف:
*سُلاَلَةُ عَبْدِ اللهِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ**وَمَدْفَنُهُ بِاللُّوكَ بَدْرٌ مَعَ انْجُمِ*
ويقول محمدن بن محمذن حبيب الله الحسني في رثائه:
*عَلَيْكَ دُمُوعُ الْمَكْرُمَاتِ تَسِيلُ**وَلِلْجُودِ فِي اللَّأْوَا عَلَيْكَ عَوِيلُ*
*وَلِلْعِلْمِ وَالتَّقْوَى وَلِلْحِلْمِ وَالْعُلَى**وَيَبْكِيكَ جَارٌ عَزَّ وَهْوَ ذَلِيلُ*
*نُحَاوِلُ صَبْرًا بَعْدَ فَقْدِكَ بَيْنَنَا**وَلَكِنَّ هَذَا مَا إِلَيْهِ سَبِيلُ*
*مُحَمَّدُ عَبْدُ اللهِ جَلَّ مُصَابُنَا**بِهِ وَهْوَ عَمْرِي فِي الْعَشِيرِ جَلِيلُ*
*بِهِ الدَّوْمَةُ الْخَضْرَاءُ فَازَتْ وَأَصْبَحَتْ**تُطَاوِلُ كُلَّ الأَرْضِ وَهْيَ تَطُولُ*
*سَقَى قَبْرَهُ الرَّيْحَانُ وَالرَّوْحُ وَالرِّضَى**يُجَدِّدُهُ مِنْهُ ضُحًى وَأَصِيلُ*
وَبَارِكْ إِلَهِي فِي ابْنِهِ وَقَبِيلِهِ**فَيَا نِعْمَهُ نَجْلاً وَحُبَّ قَبِيلُ*
*خَلِيفَتُهُ ذَاكَ الأَمِينُ الَّذِي بِهِ**سَيُشْفَى لأَهْلِ الْحُزْنِ بَعْدُ غَلِيلُ*
*شَرِيفٌ شَأَى الأَقْرَانَ فيِ الْجُودِ وَالْوَفَا**وَيُسْأَلُ عَنْ ذَا بَائِسٌ وَزَمِيلُ*
*فَلاَ زَالَ فِي أَمْنٍ وَيُمْنٍ وَنِعْمَةٍ**وَلاَ سِيءَ فِيهِ صَاحِبٌ وَخَلِيلُ*
*بِجَاهِ شَفِيعِ الْخَلْقِ أَحْمَدَ جَدِّهِ**عَلَيْهِ سَلاَمٌ لاَ يَرِيمُ كَمِيلُ*
وقد ترك الولي الشريف محمد عبد الله، جميع الخصال والمآثر الحميدة والشيم المثالية في ابنه، وخليفته، الشريف الأمثل محمد الامين الذي يصدق عليه قول القائل:
*بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيُّ فِي الْكَرَمْ**وَمَنْ يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ*
وقول الآخر:
*وَلاَ عَجَبٌ أَنْ يُشْبِهَ الإِبْنُ جَدَّهُ**فَمَنْ شَابَهَ الآبَا فَلَيْسَ بِظَالِمِ*
المراجع:كتاب إماطة القناع، عن شرف أولاد أبي السباع، لمؤلفه سيداتي ابن الشيخ المصطفى الأبييري . الجزء الأول/ ص:243. الطبعة: 2001م / مكتبة آل الحاج أحمد السباعيين ( م. ح. ح. س ) .
وكتاب: "لقطات من كتاب اللؤلؤ المشاع، في مآثر أبناء أبي السباع"- للمؤلف والمـؤرخ والبـاحث، والنسَّابة: أحمد سالم ابن عبد الودود السباعي الإدريسي الحسني الفاطمي- جمعه وحققه محمد البشير ابن عبد الودود ص: 22/ الطبعة: 2003م مكتبة: ( م. ح. ح. س ) .
وكتاب المزنة الغادية، على مرابع البادية، لمؤلفه الأستاذ محمد الحافظ بن أحمدو.ص:190/ الطبعة: 2001م / مكتبة: ( م. ح. ح. س ).
.................................. النهاية .......................................