يحيى بن خلدون في دائرة الصراعات السياسية:
يظهر دور يحيى بن خلدون في الأحداث السياسية، منذ مجيء السلطان أبي سالم إبراهيم بن أبي الحسن المريني (760 ـ 762 هـ/ 1358 ـ 1360 م) ([25]). إذ عمل عند الأخير كاتباً في ديوان الإنشاء المريني بعد أن انتقل إلى فاس مع أميره حاكم بجاية الحفصي أثناء حكم السلطان أبي عنان المريني([26]) الذي تمكن من ضم بجاية إلى دولته سنة 753 هـ/ 1352 م بطريقة سلمية([27]).
وبموت السلطان أبي عنان، عادت بجاية إلى طاعة الحفصيين، الأمر الذي دفع بحاكم المغرب الأوسط محمد بن أبي عنان إلى إطلاق يد الأمير أبي عبد الله الحفصي الحاكم السابق بن أبي بكر الحفصي. ولم يتمكن أبو عبد الله من استردادها إلا في رمضان سنة 765 هـ/ 1363 م([28]). إذ ترد إشارة في خضم تلك الأحداث إلى قيام يحيى بن خلدون بمهمة عاجلة إلى الأمير أبي حمو حاكم تلمسان([29]).
وتشاء الأقدار أن تتغير الأحوال، وتنشب بين أفراد الأسرة الحفصية صراعات جديدة. إذ قام أبو العباس الحفصي صاحب قسنطينة سنة 767 هـ/ 1365 م بالسيطرة على بجاية وقتل صاحبها أبي عبد الله، وأخضع يحيى ابن خلدون تحت سيطرته بعد أن أغراه بالبقاء، فأكرمه أول الأمر هو وأخاه عبد الرحمن، ثم انقلب عليهما لوشاية وقعت على عبد الرحمن بن خلدون، ثم اعتقل يحيى وسجنه بمدينة بونة، فيما هرب أخوه([30]).
إلا أن اعتقاله لم يدم طويلاً. إذ تمكن من الهروب والتوجه إلى مدينة بسكرة، حيث استقر أخوه عبد الرحمن. وفي بسكرة وصل الأمير الزياني عمر بن محمد الذي حضر بمهمة إقناع قبائل رياح بالخضوع للأمير أبي حمو([31]). ولما كان يحيى معروفاً بمكانته لديهم، فقد ألح عليه السفير عمر بالتوجه معه إلى شيوخهم لغرض إقناعهم. وفعلاً، وافق يحيى ونجح في مهمته مع شيوخ رياح وقصدوا تلمسان لتقديم البيعة سنة 769 هـ/ 1367 م. وهناك اصطفاه الأمير أبو حمو لمهمة الكتابة؛ إذ يقول: »...ثم اصطفاني لكتابة إنشاه... وأمرني باستقدام ولدي من بسكره محمولين بإحسانه محفوفين ببره وعنايته. فكان ذلك أول سعادة أوتيتها وأعظم عناية ربانية رأيتها« ([32]).
ثم حدث أن تدهورت العلاقات السياسية من جديد بين المرينيين والزيانيين. إذ قام السلطان المريني أبو فارس عبد العزيز([33]) سنة 767 ـ 774 هـ/ 1365 ـ 1372 م بشن حملة على الأمير أبي حمو الزياني، فأخضع تلمسان ودخلها سنة 772 هـ/ 1370 م. بينما هرب باتجاه الصحراء. أما كاتبه يحيى بن خلدون، فقد قبل أن يفارق أميره، ملتحقاً بخدمة السلطان المريني أبي فارس وولده السعيد بالله([34]) من بعده([35]). وقد شعر بالخطأ الفادح الذي ارتكبه فيما بعد. وتبريراً لذلك الموقف، يقول: »ومن هنا فارقته ـ أي أبي حمو ـ لخيالات سوداوية اعتورتني ونزعات شيطانية تجاذبتني وسوء بخت تقاعس عن إدراك الفخر برحلي وشقاء مكتوب أهوى إلى درك الخسارة بي« ([36]).
إلا أن مقامه في خدمة السلاطين المرينيين لم يدم طويلاً؛ إذ عاد الأمير أبو حمو إلى تلمسان، فيما جاء على حكم المرينيين المستنصر بالله أبو العباس أحمد بن أبي سالم (776 ـ 786 هـ/ 1374 ـ 1384 م)، فاستأذنه في العودة إلى تلمسان. ويبدو أن مغادرته لفاس كانت بعد مشاهدته لنكبة الوزير الغرناطي ابن الخطيب اللاجئ في فاس سنة 776 هـ/ 1374 م([37]).
ومهما يكن من أمر، فقد عاد يحيى إلى تلمسان في غرة شهر ربيع الأول سنة 776 هـ/ 1374 م وهو يدرك ذنبه، ملتمساً العفو لنفسه. فاستجاب له الأمير أبو حمو وعفا عنه وأعاده إلى منصبه كما كان كاتباً لسره. إلا أن الأقدار سرعان ما أوقعته مرة أخرى في شرك الخلافات السياسية، لكن هذه المرة داخل تلمسان عاصمة الزيانيين. فقد اشتعلت بذور الخلافات والشقاق بين أبناء الأمير أبي حمو، وقامت منافسة شديدة بين ولديه أبي زيان([38]) حاكم وهران وأبي تاشفين الذي([39]) طمع بحكم وهران لنفسه. غير أن والده ماطله بطلبه، فظن أبو تاشفين أن الأمر قد دبر من قبل كاتبه يحيى ابن خلدون، فدبر له مكيدة ذهب ضحيتها، إذ قام الأمير أبو تاشفين بالإيعاز إلى صاحب الشرطة الزياني موسى بن يخلف وأمره بقتل يحيى. وفعلاً، قام موسى بن يخلف وأعوانه بالتربص بيحيى: إذ بينما كان يحيى خارجاً من قصر الأمير أبي حمو في ليلة من ليالي رمضان سنة 789 هـ/ 1378 م، هاجمه موسى وأعوانه وأردوه قتيلاً. وفي اليوم التالي، عرف الأمير أن مقتله قد دبر من ولده، فحاول إسدال الستار على جريمة قلته أو كما قال أخوه عبد الرحمن »أغفى وطوى عليها جوانحه« ([40]).
وهكذا انتهت حياته نهاية مأساوية، وأسدل الستار على آخر فصل من حياة المؤرخ يحيى التي كانت ـ بالرغم من قصرها ـ مهمة، لما تركه من أثر تاريخي مهم وثق تلك الحقبة التاريخية المجهولة من حياة المغرب بوجه عام والجزائر بوجه خاص.