[frame="6 98"]
س/هل من زيادة توضيح ؟
نعم ، إنَّ هذه الطبقات التي للنسب إنما تظهر وتتميز عن بعضها عند الشدائد والنكبات والجوائِح عنوةً لا عن اختيار ، فنجد طبقات النسب تترتب على هذا النمط في التفاف أفراد القبيلة حول الفرد وبتعصب كل بني أب عند ذِكْرِه وبانضمامهم إلى بعضهم دون بني عمهم ، فكلما كانت جماعة هي أقرب من غيرها كانت في العادة هي الأخص بالفرد ، والأكثر حمية وغيرة له ، وأشد دفاعاً عنه ، وأكثرهم استماتة في سبيل نصرته ، فالناس أبناء الجد الواحد يتشكلون هكذا تلقائياً في الأمور المهمة متى صاح صائحٌ ؛ وبالتالي تتبين لنا تلك المفاصل في جسم القبيلة ، وبالتالي نعرف الخاص والأخص ، والعام والأعم ؛ فالاعتضاد بالعشيرة والتكثّر بها يكون وفق درجات بحسب القرب ، وعلى قدر ذلك القرب يكون الولاءُ والوفاءُ ، وعلى قدر البُعد يكون البراءُ والجفاءُ، وهذا أمر مُسلَّمٌ جداً ولا نعرف فيه خلافاً .
قال المؤرخ جوادُ عليّ:"وجرثومة العصبية ، العصبية للدم ، وأقرب دم إلى الإنسان هو دم أسرته ، وعلى رأسها الأبوان والأخوة والأخوات ثم الأبعد فالأبعد،حتى تصل إلى العصبية للقبيلة ، ولهذا تكون شدة العصبية وقوتها تابعة لدرجة قرب الدم والنسب وبعدهما ، فإذا ما حلَّ حادث بإنسان فعلى أقرب الناس دماً إليه أنْ يهبَّ لإسعافه والأخذ بالثأئر ممن ألحق الأذى بقريبه ، ولهذا صارت درجات العصبية متفاوتة بحسب تفاوت الدم ومنازل النسب".
وهذا تماماً الذي حصل مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآلِهِ وسَلَّم ، فكان أشد الناس التفافاً حوله ، وأصدقهم إيماناً به قرابته الأدنون الذين هم بنو هاشم بن عبد مناف دون بقية عشيرته التي هي قريش ، وكان التالي لهاشم بن عبد مناف بقية آل عبد مناف بن قصي وهم آل المطلب بن عبد مناف ، وخذله بنو عبد شمس وبنو نوفل ابنا عبد مناف بن قصي وكذَّبوه واستبدلوا القرابة بالأبعدين ، كما قال أبو طالب بن عبد المطلب في لاميته الشهيرة :
جزى اللهُ عنّا عبدَ شمس ونوفلاً
لقد سفهتْ أحلامُ قومٍ تبدلوا
أعبد مناف أنتمو خير قومكم
فقد خفت إن لم يصلح الله أمركم
لعمري لقد أوهنتمو وعجزتمو
وكنتم قديماً حطب قدرٍ فأنتمو
ليهنىء عبد مناف عقوقها
عقوبةَ شرٍّ عاجلاً غيرِ آجل
بني خلف قيضاً بنا والغَيَاطِلِ
فلا تشركوا في أمركم كلَّ واغلِ
تكونوا كما كانت أحاديث وائلِ
وجئتم بأمر مُخْطِيءٍ للمفاصِلِ
الآن حطاب أقدر ومراجل
وخذلانها ، وتركنا في المعاقل
وكان النويريّ قد زاد الجذم ثم الجماهير قبل الشعوب ، وهي زيادة ليست بلازمة ، وزاد نشوان الحميريّ الجيل بين الفخذ والفصيل ، وليس بجيد ، كما أنه ليس في عُرْفِ العرب ، والجِذْم ؛ هو الأصل والجرثومة.
س/أرأيتَ الخامس!، ما مقصودهم به ؟
الخامس وجمعه خوامس ، والمقصود به أن يتعَصَّب قوم لجدِّهم الخامس ، بمعنى أن ينتسب قوم إلى جَدِّهم الخامس في سلسلة النسب ، ويتكَّون لديهم من عنده نوع استقلال عن كيان الطبقة النَسَبِيَّة المباشرة له ، وهذا الاستقلال يسمى بالعصبية كما سبق بيانه في سبب نشوء طبقات النسب .
والحاصل أننا نقول في تعريف الخوامس : وِحْدَةٌ اجتماعية ؛ متكاملة ؛ ومندمجة ؛ ومتآلفة ؛ ويتعصب أفراده لبعضهم؛ كل ذلك يكون في أقصى حَدٍّ ممكن بعد العائلة .
فالتسمية بالخوامس متأخرة ، والمتقدم هو التعبير عنها بالبيوت ، وهي في الحقيقة ليست تسمية بقدر ما هي بيان لحال العصبية التي تكون للفرد مع مجتمعه ، ومكامن شِدَّتها وتفاوت ثورتها في طبقات النسب ، وتشخيص لخصائص اجتماعية تتعلق بمجموعة ، فهي متأخرة أما أصلها فقديم .
س/هل يُعبِّرون عنه بلفظ آخر؟
يعبرون عن هذه العصبية كما قلنا بالخامس وجمعه خوامس ، وهم يقصدون بهذه العصبية طبقة من طبقات النسب التي مرّ التعريف بها ، وهذه الطبقة هي الأسرة الجامعة للفصائل ، أو هي بتعبير آخر البيت ، وجمعه بيوت ؛ وأبيات ، والبدنة.
فالخوامس عصبية وحمِيَّة يُعبَّر عنها تارة بالبيت وبأهل البيت ، يقال : في الفخذ الفلاني سبع أبيات ؛ ولذوي المكانة والعز والشرف يعبر عنها بالبيوتات ويقصدون سبع خوامس ، وهكذا . ومتى كثر عدد أفراده وتجاوز القدر المألوف فإنه يُستعاض عن هذه التسمية بالفخذ ، لأنه قد ارتقى إلى طبقة أعلى من طبقات سلسلة النسب . والعاملان المؤثران في ذلك هما :
1.عامل الزمان .
2.عامل الكثرة والعدد.
فهذان العاملان يؤثران في الغالب الأكثر . وإلاَّ فإن هناك عاملٌ قوي ومؤثر كان معتبراً في النظرية ومطبقاً في واقع الأمر ، وذلك متى كان أفراد الجيل متفاوتون بين مكثر ومقل ، أو أن بعضهم صاحب شهرة والآخر لا شهرة له .
وحيث أننا سلَّمنا بأن الخامس يدعى بالبيت والبدنة وبالأسرة فإنه يجب ملاحظة أن الفصيلة تختلف عن الأسرة أو البيت ، حيث أن الخوامس يتألف من عدة فصائل ، فالفصيلة هي إحدى الأجزاء المكونة للخوامس ، فكما أن آل هاشم يشكلون بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن آل أبي طالب بن عبد المطلب يُكَوِّنون أحد فصائل ذلك البيت ، وآل أبي لهب بن عبد المطلب فصيلة ، وآل العباس بن عبد المطلب فصيلة ، وآل جعفر بن عبد المطلب فصيلة ، وآل الزبير بن عبد المطلب فصيلة ، وآل الحارث بن عبد المطلب فصيلة ، فكل هذه الفصائل الهاشمية تُكوِّن أسرة هاشم وأهل بيته ، أما العائلة فهي خاصة الرجل الذين يعولهم ، وهم أولاده وزوجته الذين يحويهم البيت السكني المبني من اللبن والخشب ، والحاصل أنه ليس دون الفصيلة إلا الرجل وولده .
أما ما يتعلق بآية التطهير من سورة الأحزاب فإن تأويلها قد بينته السنة ، وهو مصطلح شرعي ، فلا يعم كل بني هاشم .
س/و لماذا الخامس ؟
لأن بعد خمسة أجيال لابد أن تحصل عصبية للجد الخامس يتعصب إليه ذووه ، لأنه قد تَكَوَّنَ لديهم مفصلٌ في سلسلة النسب قد ميزهم عن بقية قرابتهم ، وهو أمر طبيعي ، ونعني بكونه طبيعي ؛ أنه قديم وغالب ، وقد قال العباس بن عبد المطلب يوماً : أنا المُسْقِي بن المسقي بن المسقي بن المسقي بن المسقي . فتوقف عند قصي بن كلاب جده الخامس ساقي الحجيج ، لأنه عند قصي تكونت لهم عصبية خاصة ضمن العصبية العامة التي هي التعصب للقبيلة الأم وهي قريش ، وهي بالنفس أتوق ، وبالإنسان ألزم ، ومعلوم أن أول من سقى بزمزم إنما هو عبد المطلب ، إذ كانت قبل ذلك مطمورة مطبقة ، فسقى لهم منها ، وسقى أسلافه من غيرها.
وسواء كان للجد الخامس إخوة أم لا إخوة لديه ، فلو فرضنا عدم الإخوة فإنه يكون قد كوَّن لِعَقِبِهِ عَصبية ينافحون عنها ، ويدورون حول قطبها ؛ وفي فلك حماها وعِزِّها ، ولو فرضنا وجود الإخوة له ، فإنه قد صار بعد الجيل الخامس مِفْصَلاً ، أي طبقة من طبقات عمود النسب ، ويكون قد تكونت له عصبية يدور عَقِبُهُ حول قطبها كما أن لإخوته عصبية تكونت لهم لدى عقب كل واحد منهم .
فالجدُّ الأول لا تتكون له عصبية منعزلة عن إخوته ، ولا تنفك العصبية لدى عقبه عن التعصب للجد الأعلى منه ، لأن النفس البشرية كما أنها تواقة لتكوين عصبية قريبة مستقلة ، فإنها في المقابل تكره أن تستقل بعصبية في مرحلة مبكرة ، لأن هذا يكون بمثابة الثورة على الوطنية ، وبمثابة التنكر للقرابة ؛ والقطيعة للرَّحم ؛ وهو لؤمٌ ونذالة ، إلا إن حصل أمر خلاف المتوقع ، ولكن متى تباعدت الأنساب كان ذلك دافعاً للنفس المحِبَّة للمدنية كي تحتمي بكهفٍ يحتوي جوانبها ، وكي تدفأ بنفوس ترى فيهم الحماس لنجدتها أشد ، فتلوذ بقريبٍ قريب ؛ من قريب بعيد بدأت تتحسس منه نوع وَحْشَة ودَهْشَة ، وتتوجس منه نوع غُرْبَة وجَنْبَة ، مع وَهَنٍ في الحماسة نحوها بالنسبة لمن له أقرب ، وهكذا كلما تباعدت الأنساب كلما انتابت النفس منها الوَحْشَة ، وأقلقت جَنَبِاتِها الغُربة ، وبردت عنها الحمية ، ونقصت فيها العصبية.
ولذا فإن خصائص أهل البيت الواحد أنهم يعقلون ـ من العقل ـ ، ويضمنون من ـ الضمان ـ ، يألفون بعضهم إلى أقصى حد .
وقد عقد ابن خلدون في مقدمته فصلاً في أن نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة آباء ، وذكر ثَمَّ أن اشتراط الأربعة في الأحساب إنما هو في الغالب ، وإلا فقد يندثر البيت من دون الأربعة ويتلاشى وينهدم ، وقد يتصل أمرها إلى الخامس والسادس ، إلا أنه في انحطاط وذهاب ، واعتبار الأربعة من قبل الأجيال الأربعة بان ومباشر له ومقلد وهادم وهو أقل ما يمكن ، وقد اعتبرت الأربعة في نهاية الحسب في باب المدح والثناء قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنما الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ؛ إشارة إلى أنه بلغ الغاية من المجد . وفي التوراة ما معناه : إن الله ربك طائق غيور مطالب بذنوب الآباء للبنين على الثوالث والروابع وهذا يدل على أن الأربعة الأعقاب غاية في الأنساب والحسب.
س / هل يمكن أن يحصل المفصل في سلسلة النسب قبل الجد الخامس أو بعده ؟
وقد يحصل المِفْصَلُ قبل الخامس أو بعده ، ولهذا أكثر من سبب :
السبب الأول : لأن الاسم الذي حصلت له العصبية إما أن يكون غريباً في لفظه ؛ أو في اشتقاقه ؛ أو في جَرْسِهِ ؛ أو لأجل استعماله لأول مرة عند القوم .
السبب الثاني : لأن صاحب العصبية كان أسود ـ من السيادة ـ من الذي قبله أو الذي بعده ، ونعني أنه متصف بإحدى أمهات الفضائل الأربعة .
السبب الثالث : حدوث شر أو عداوة . كما استقل عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بنوع استقلال عن آل عبد مناف ، وأسس لأهل بيته عصبية بدأت من أبيه هاشم بن عبد مناف ، ومثله فعل عمه المطلب بن عبد مناف ، فأسس لأهل بيته عصبية بدأت من عنده ، ثم تحالفا في مقابل حلف عبد شمس بن عبد مناف ، ونوفل بن عبد مناف اللذان كانت لذويهما عصبية نشأت من عند عبد شمس ونوفل.
السبب الرابع : لكون الرجل الذي حصلت عنده العصبية من أهل الأموال أو أهل الرياسات .
السبب الخامس : الغُرْبَةُ والبُعْدُ عن الدِّيارِ .
السبب السادس : ما سبق بيانه في القبيلة عند ذكر الأخ المكثر والأخ المُقل والشهرة والخمول.
[/frame]