ووجدت أيضا :
قدَّس من التقديس ، و التقديس يجمع معاني جليلة عدّة :
الأول : و هو أهمها أصالة ( التطهير )
و الثاني : التبريك . .
و بهذين المعنيين فسِّرت ألفاظ و تراكيب كثيرة ، فقالوا في معنى : ( بيت المقدس ) أي : البيت المقدس ، و هو المطهر و المبارك .
و كذلك في اسم الله : (القُدُّوس )- بضم القاف و الدال و تشديد الأخير - و هو المطهر و الطاهر و المنزه عن العيوب و النقائص لكمال ذاته و صفاته ، و المبارك أيضا - كما فسره بعض أهل العلم - .
و الثالث : التعظيم و التمجيد و التكبير ، و هذا ذهب إليه بعض السلف ، و ذكره ابن جرير و غيره في تفسير قوله تعالى ( و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك ).
و المعنى نطهرك و ننزهك التنزيه اللائق بك و نعظمك.
و من التعظيم : الصلاة لك كما فسر به بعض السلف قول الملائكة ( و نقدس لك ).
و التطهير شيء زائد على التنزيه ، فهو بمعنى التنقية – و سيأتي مزيد بيان له - .
و هناك معنى آخر ذهب إليه بعض المفسرين ، قال الزجاج : ( معنى : " نقدس لك " أي نطهر أنفسنا لك ، وكذلك نفعل بمن أطاعك نقدِّسه : أي نطهِّره).
فالتقديس يقع على العباد ، و في الحديث ( لا قدس الله أمة ..).
قال في التاج 16/359 : " و حكى ابن الأعرابي : " لا قدسه الله " أي : لا بارك عليه ، و قال : و المقدَّس : المبارك ، و قال قتادة : و أرض مقدسة : أي أرض مباركة ، و إليه ذهب ابن الأعرابي ".
كذلك من أسماء الجنة ( حظيرة القدس ).
و أطلق على جبريل ( روح القدس )، و قيل القدُس هو الله ، قاله بعض السلف ، كما قيل لعيسى بن مريم : روح الله .
و قد ورد في أشعار العرب : قدس الله مضجعه و نحوها ، و تناقلها العلماء سلفا عن خلف من غير نكير ، و معناها فيما سبق ؛ لكن معنى قدس الله روحه – خاصة - : طهرها من الذنوب و الخطايا ، و هكذا دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم في دعاء الاستفتاح : ( اللهم طهرني من الذنوب و الخطايا )، و دعا به في غيره كما في حديث عائشة .
و قد دعا به للميت ، كما في صحيح مسلم : ( اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله و وسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس ).
فالأول دعاء بالتطهير من الذنوب للحي و هذا الأخير للميت .
و هذه الجملة بمعنى قدس الله روحه ، من هذا الوجه و هو التطهير .
و هذا يدل على سنية هذا المعنى ، و أن الدعاء به من سنن النبي صلى الله عليه و سلم للميت ، و اختيار ابن القيم له في الدعاء به لشيخه ابن تيمية ، في مواضع كثيرة جدا من كتبه لعله من هذا القبيل .
و كونه منتشر في تضاعيف كتب ابن القيم = يردّ القول باحتمال أن يكون هذا من فعل النساخ ؛ إذ كيف يتواطأ جميع النساخ في كل تلك المواضع على اختيار تلك العبارة في الدعاء دون غيرها ، هذا مستبعد جدا .
و من معاني تلك العبارة : ( قدس الله روحه ) أي في الجنة ، حيث جعل مأواها حظيرة القدس و هي الجنة .و من معانيها : طيب الله روحه ، يعني الدعاء لها بأن يجعلها روحا طيبة مطيبة ، وهي روح المؤمن التي تطيبها الملائكة و ترتفع بها إلى السماء .
كما في الصحيح : ( إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها ) ثم ذكر من طيب ريحها و ذكر المسك ، قال : و يقول أهل السماء : روح طيبة جاءت من قبل الأرض ، صلى الله عليك و على جسد كنت تعمرينه ، فينطلق به إلى ربه عز وجل).
فهو دعاء له بأن يكون من أهل الأرواح المطيبة الطيبة ، و هي بمعنى المقدسة .
و قد يلاحظ فيها أيضا معنى أن من المنازل التي يمر بها أهل الإيمان يوم القيامة ، تطهيرهم من ذنوبهم لاستكمال متطلبات دخولهم للجنة ( حظيرة القدس ).
و العبد الفقير حين يطلقها على شيخه شيخ الإسلام يستحضر بعض أو جل هذه المعاني ،و الله الموفق .