عرض مشاركة واحدة

  #4  
قديم 14-11-2009, 11:48 AM
الصورة الرمزية امحمد قريب الادريسي
امحمد قريب الادريسي امحمد قريب الادريسي غير متواجد حالياً
باحث في النسب الإدريسي
 




افتراضي

1-3 تأسيس زاوية تافيلالت بإداوزداغ:
من خلال ما تقدم، يتضح أن تأسيس عبد الله بن سعيد لزاويته الجديدة تم خلال مطلع الثلث الأخير من القرن 10هـ (النصف الثاني من القرن16م) أي بُعَيْدَ سنة (964هـ/1557م)، وذلك بمدشر تافيلالت، في مواطن المجموعة القبلية لإداأوزداغ، جهة الشمال الشرقي لمدينة تارودانت،44 (يبعد عنها بحوالي: 60 كلم ). تعيش مجموعة إداوزداغ على السفح الجنوبي للأطلس الكبير، شمالي تارودانت في منطقة وافرة القبائل، ويتحدد مجالها قبليا بمنتاكة من الغرب، وهوزيوة من الشرق، والمنابهة من الجنوب الشرقي، وأيت إيكاس من الجنوب الغربي. أما من جهة الشمال فتشكل حدود مجال إدا أوزداغ الحد الشمالي لإقليم سوس حيث يلتقي بمواطن قبيلتي كدميوة وسكساوة، وهما من قبائل السفح الشمالي للأطلس الكبير المطل على ناحية مراكش.

لا شك أن ما اشتهر به عبد الله بن سعيد من سعة علم، ورجاحة عقل، وبالغ زهد، وحسن سيرة كان له دور كبير في سرعة التفاف القبائل حوله بموطنه الجديد، وتكاثر أتباعه وزواره ومريديه. ولا نشك، أيضا، في أن يكون لمكانة أبيه، سعيد بن عبد المنعم، العلمية والصوفية، وانتشار أخبار جهاده ضد البرتغاليين، بصفة خاصة، تأثير واضح في هذه المسألة. ومن ثم يحق لنا أن نتساءل عما إذا لم يكن هذا الالتفاف السريع لقبائل المنطقة حول مؤسس زاوية تافيلالت يشكل اختيارا بديلا قامت به قبائل جبال شمال سوس (الأطلس الكبير الغربي)، في مقابل اختيار قبائل سهل وجنوب سوس الالتفاف حول السعديين؟

سؤال يكتسب وجاهته إذا علمنا أن قبائل هذه الجبال لم تنقد للسعديين إلا من خلال الحملة التي قام بها السلطان أحمد المنصور سنة (988هـ/1580م). وقد أورد بخصوصها أبو فارس عبد العزيز الفشتالي: "فجالت العساكر في قطر السوس، وانبسطت في جهاته وأركانه، ومرت في جباله وأوطانه... حتى دوخت القصي، واستنزلت من صياصيه العصي... وأوفد عليه (أحمد المنصور) القائد محمد بن إبراهيم بن بجة وفدا من مشيخة أولئك الأقوام، خاضعين تائبين مستأمنين، وتخللتها الطاعة والعافية قاطبة، ولم تبق بها من الفساد شائبة."45

1-4 طريقة الزاوية الحاحية بإداوزداغ:
- سند عبد الله بن سعيد في الشاذلية:

تعتبر الطريقة الشاذلية، التي تستمد أصولها من مدرسة أبي القاسم الجنيد، أوسع طرق التصوف انتشارا في المغرب. وذلك لالتزامها بالكتاب والسنة، وابتعادها عن غلو تيارات التصوف الفلسفي، واعتنائها أكثر بالجانب التربوي العملي.46

ومن المعلوم أن الطريقة الشاذلية انتشرت بالمغرب عبر طريقين ينتهيان بالشيخين: محمد بن سليمان الجزولي (ت: 877/1465)، وأحمد زرّوق (ت: 899/1493). وقد كان للأول منهما، على الخصوص، دور كبير في إحياء الطريقة الشاذلية ونشرها بالمغرب على نطاق واسع، مما أدى إلى تكاثر أتباعها.

يرتبط سند عبد الله بن سعيد في الشاذلية بالقطب محمد بن سليمان الجزولي، عبر أربعة طرق تلتقي كلها عند الشيخ عبد العزيز التباع، الذي يعتبر وارث سر الإمام الجزولي. فقد أخذ أولا عن والده سعيد بن عبد المنعم، الذي كان من أشهر الآخذين عن الشيخ التباع. كما أخذ عن أحمد بن موسى السملالي، وهو أيضا ممن تخرجوا على عبد العزيز التباع. وقد أسلفنا أن عبد الله بن سعيد عول في طريق التصوف على الشيخ عبد الله الهبطي، ومعلوم أن الهبطي أخذ عن عبد الله الغزواني عن عبد العزيز التباع. كما سبق ورأينا من ضمن شيوخ عبد الله بن سعيد الشيخ عياد بن عبد الله السوسي الذي أخذ عن عبد الكريم الفلاح عن الشيخ التباع.

من هنا يتضح أن طريقة الزاوية الحاحية شاذلية جزولية، وأن سندها في هذه الطريقة من أعلى الأسانيد، حيث أن الشيخ عبد الله بن سعيد -وكما أسلفنا -أخذ عن الإمام الجزولي من طريقين بواسطتين فقط، ومن الطريقين الآخرين بثلاث وسائط. فضلا عن أن أباه سعيد بن عبد المنعم أخذ عن الجزولي بواسطة واحدة هي شيخه عبد العزيز التباع. وهو-كما ترى -سند يعلو أسانيد باقي الزوايا المغربية الكبرى المعاصرة لزاوية الحاحيين بإداوزداغ، بما فيها الزاوية الدلائية التي اعتبرت من أهم وأكبر زوايا تلك المرحلة.47



- مميزات طريقته الصوفية:

- محبة الله والرسول: وقفنا من خلال ما تقدم على أن طريقة عبد الله بن سعيد شاذلية جزولية تباعية، وهي تتميز بالحب الشديد في الله، والامتثال المطلق لأوامره والامتناع عن نواهيه. قال الحضيكي يصف الشيخ عبد الله: "وكان رضي الله عنه شديد المحبة في الله، شديد الرجاء، دائم الخشوع".48 وقد صح عنه أنه قال: "والله ما عقلت على مخالفة لله تعالى عز وجل ارتكبتها، ولا آذيت حيوانا ولا نملة".49 كما اشتهر الشيخ عبد الله أيضا بشديد محبته في الرسول وآل البيت، وإكثاره من الصلاة عليهم. "وكان شديد المحبة لآل البيت، وإن كانوا فاسقين، ويتوسل إلى الله بجاههم".50

- المجاهدة: تمثل المجاهدة الجانب العملي في الحياة الصوفية، وهي مأخوذة من الجهاد، ومعناها بذل النفس في سبيل الله، ومحاربة أعدائه، وهي تعني عند المتصوفة محاربة النفس، ومخالفتها باعتبارها عدو الإنسان الذي يقوده إلى الهلاك. ومن أهم مظاهرها الخلوة والعزلة، الزهد، الإكثار من العبادة.51 وهي مظاهر جسدها الشيخ عبد الله بن سعيد في حياته أحسن تجسيد. فقد اعتزل الناس واختلى للعبادة، وكان زاهدا ورعا وبذلك اشتهر في مختلف المصادر التاريخية. قال التمنارتي: "وكان عارفا بزمانه... فاعتزل الفضول وتوارى عن العامة... وله نظر دقيق واحتياط بالغ في طريقي العبادة والعادة، أزهد الناس وأورعهم".52 وأورد ابن عسكر: "وكان دهره مستخفيا لا يريد شهرة ولا يتعرف إلى أحد".53



- الحرص على تعليم الأتباع أمور العقيدة والعبادة: اعتبر عبد الله بن سعيد أن التربية الصوفية الحَقّة تنطلق أولا من تعلم أمور العقيدة والحرص على ممارسة العبادة. لذا كان له اهتمام بالغ بتعليم أتباع زاويته ما يجب من العقائد، ويتشدد معهم في ممارسة الشعائر وعلى رأسها الصلاة. قال صاحب بذل المناصحة: "لم أر أحدا من المنتسبين ولا سمعت بمن يهتم بدين أصحابه كما يهتم هو بذلك".54 وقد بلغ من حرصه على تعليم الناس أمور دينهم، أنه لم يكن يأذن لمن يرد على زاويته بمغادرتها إلا بعد حفظ ما يلزمه من أمور العقيدة فرضا وسنة.



- أوراد وأذكار الزاوية: سبق أن وقفنا على طريقة زاوية إداوزداغ، ورأينا أنها تتميز بحب الرسول الكريم، والإكثار من الصلاة عليه. وقد جرى عرف المنتسبين للطريقة الشاذلية الجزولية على تحديد أوراد يرددونها، تتمحور حول الصلاة على النبي والتضرع إلى الله. وإذا كنا لم نقف على الأوراد التي كانت تتلى بزاوية عبد الله بن سعيد، فأننا نعلم أن تلاوتها كانت تتم بعد صلاة المغرب. لكن ما ميز زاوية إداوزداغ أن شيخها لم يقتصر على تربية المريدين بتلاوة الأوراد فقط، بل إنه وضع لهم مواعظ وأذكارا قدرها عشرة أحزاب. جمع فيها نقولا من التفسير والأحاديث والأخبار، تبتدئ من نزول الموت بالمحتضر، ثم أهوال القبر، فالبعث والنشر، والحشر، والميزان، والصراط، والجنة والنار. حيث يجمع القيم على الزاوية كل الواردين والزائرين، وبعد الانتهاء من تلاوة الأوراد، يشرع طلبة الزاوية في تلاوة هذه الأحزاب عليهم إلى وقت العشاء، وبعد الصلاة يعودون لإتمام ما تبقى منها حتى إذا ما فرغوا من ذلك حضر الطعام.55

ولما كانت قبائل سوس التابعة للزاوية متنوعة الأصول، عربية وأمازيغية، فقد دأب الشيخ عبد الله على تخصيص من يوصل هذه الأحزاب للعربي بالعربية، وللأمازيغي بالأمازيغية. ويظهر أن هذه المواعظ والأذكار كانت مختصرة بشكل يسهل حفظها على عموم الوافدين على الزاوية، أما تربية المريدين من الطلبة المنتسبين، فإن الشيخ عبد الله اختار له كتاب خاصا في مجلد ضخم عنوانه: "شعب الإيمان"، وقد. وقف العلامة المختار السوسي على هذا الكتاب في مضمون الخزانة الناصرية بسلا وأثبت بصدده : "ونفسه يدل على أن مؤلفه اغترف من بحر خضم، وتقل فيه النقول....".56



- غسل البلوغ: كان عبد الله بن سعيد، كما أسلفنا، حريصا على تعليم أتباعه، وكل من يرد على زاويته، ما يجب من أمور العقيدة. كما كان يأمر كل من تعلم، وخاصة إذا كان أميا، بالاغتسال وإعادة الصلاة من يوم بلوغه، وكان يسمي هذا الغسل غسل البلوغ. وموجبه قول الشيخ بأن صحة العبادات تتوقف على صحة الاعتقاد. لذا كان يرى هذا الأمر واجبا على الأمي إذا تعلم عقائده، ومستحبا في حق من كان عالما بعقائده مواظبا على عباداته. وقد أثار غسل البلوغ نقاشا كبيرا بين فقهاء سوس حتى ناظروا الشيخ في هذا الأمر.57



- منهج الشيخ عبد الله التربوي:

جرت المدرسة الشاذلية الجزولية على تعليم السنة والتزامها، وهو النهج الذي اتبعه الشيخ عبد الله بن سعيد، جريا كذلك على عادة أبيه سعيد بن عبد المنعم في زاويته بحاحة،58 فكان أول ما ينصح به أتباعه ويعلمهم إياه: إتباع السنة. قال التمنارتي: "شيخنا المسن أبو محمد عبد الله بن سعيد... قام هناك يعلم السنة والعقائد، ويرشد الخلق ويحضهم على إقامة السنن والدين". ثم أضاف بعد ذلك : "حضرت مجلس تذكيره... وأكد على إتباع السنة ولزومها."59

كان الشيخ عبد الله يهتم كثيرا بالمتعلمين، فيراعي مستواهم العقلي والفكري، وقدراتهم اللغوية، فيخصص لكل فئة منهم ما يناسبها. لذا رأينا المواعظ والأذكار تتلى في زاويته باللغتين: العربية والأمازيغية. كما كان يميز بين تعليم الطلبة وتعليم العامة، حيث خصص للعامة كتاب "المواعظ والأذكار" وهو مختصر يسهل حفظه، يشتمل على ما هو ضروري للمسلم أن يعلمه من أمور عقيدته. بينما خص الطلبة ببرامج متنوعة شملت عددا من الفروع العلمية كالفقه والحديث والتفسير والتوحيد والتصوف والعربية وهي فنون سبق أن رأينا أن الشيخ نال منها حظا وافرا أثناء جولته لطلب العلم.

وقد عرف عن الشيخ أنه كان يرى أن أنجع تعليم وأيسره هو الذي يتلقاه الإنسان في صغره، لذا كان يفضل تعليم الطلبة على تعليم العامة. ومما روي عنه في هذا الباب قوله: "رد الطلبة لطريق الاستقامة أيسر، وهو كالبناء على الأساس، وهم أقرب للحق وحفظ الأدب مع الشيخ، والتماس حسن التأويل فيما لا يقف على حقيقته من كلامه (...) بخلاف غيرهم، فإنه يحتاج في استقامته إلى كلفة عظيمة وطول زمان...".60

ونظرا لاعتقاده الراسخ بأن التربية الصوفية لا تكتمل إلا بالعلم، بل إنه كان يرى أن الإيمان لا يكتمل إلا بالعلم، كرس الشيخ عبد الله زاويته لتدريس مختلف علوم عصره فتخرج من هذه الزاوية عدد كبير من الأعلام الذين كان لهم شأن كبير في مجالات العلم والتأليف والقضاء والفتوى ويكفي أن نذكر منهم محمد بن عبد الواسع الباعقيلي مؤلف "مناقب الباعقيلي"، وأحمد بن علي البوسعيدي الهشتوكي مؤلف "بذل المناصحة" وغيره. وعبد الرحمن التمنارتي قاضي الجماعة بتارودانت، وصاحب "الفوائد الجمة"... كما خرّج عبد الله بن سعيد على يده أساتذة أفذاذا تصدوا للتدريس إلى جانبه بزاوية زداغة نذكر منهم على الخصوص ابنيه: الحسن، ويحيى. فقد اشتغل الحسن بن عبد الله الحاحي بالتدريس والفتوى بإداوزداغ، وقد وقف المختار السوسي على مجموعة من فتاويه، أما يحيى بن عبد الله فإنه اشتغل بالتدريس كما تولى رئاسة الزاوية بعد أبيه، وامتاز في علوم الفقه والرواية والحديث...، كما برع في الترسل ونظم القوافي. وتكفي هذه الأمثلة دليلا على مدى نجاح الأسلوب التربوي الذي أسسه الشيخ عبد الله بن سعيد ودرجت عليه زاويته من بعده في عهد ولده يحيى
منقول للاخوة للفائدة جزى الله صاحب البحث

 

 

التوقيع :
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات ألأ حياء منهم وألأموات
عنوان مدونتي :http://bomlik.maktoobblog.com

التعديل الأخير تم بواسطة الشريف إيهاب التركي الشاذلي الإدريسي ; 14-11-2009 الساعة 10:34 PM.
رد مع اقتباس