بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الجانب المذهبي لم يكن ثانوياً في هذه الثورات المُطالبة بتطبيق الشعارات الإسلامية في العدل الاجتماعي والمساواة، وبالتالي فقد كان يجب صياغة هذه المطالب والاستدلال عليها بالآيات القرآنية والسنة النبوية وممارسات الصحابة الأوائل، والتي تعني بداهة اعتناق الثوار لمذهب عقائدي يواجه مذهب وفقهاء الدولة، وتصور التئام كل المستضعفين بمختلف انتماءاتهم المذهبية تحت راية زعيم واحد يعد مثالياً بالنسبة لهذه المرحلة التي كانت السيادة فيها للفكر الديني، فمما تشترك فيه الثورات عموماً أن زعمائها يستمرون فترة قبل الإعلان عنها يدعون لمذهبهم سراً بين العوام والكادحين الأمر الذي يؤكد التلازم ما بين الثورة وعقيدتها الدينية والتي تعبر أيضاً بصورة ضمنية عن مصالح طبقة معينة كما أشرت سابقاً.
لقد احتوى الكتاب إضافة إلى القواعد السابقة على مناقشة لبعض التساؤلات التاريخية والتي ما زالت محل بحث ودراسة الكثير من المتخصصين، وخاصة في الفصلين الأخيرين، الذين خصصهما د.محمود إسماعيل لبحث وضع مصر من المد الثوري في التاريخ الإسلامي، والإنتاج الأدبي والإبداعي للمهمشين، وقد أنتج هذا البحث آراءً مهمة سواء من ناحية النظرية أو التطبيق، وعلى الرغم من أن التوصل إلى نتائج حاسمة في هذين المبحثين يحمل الكثير من الصعوبة، فإن طرح د. محمود إسماعيل هذين المبحثين للمناقشة يمثل بكل تأكيد أحد عناصر التميز في هذا الكتاب.
في الفصل قبل الأخير المعنون " حرافيش مصر والنضال باللسان " من الكتاب ناقش د. محمود إسماعيل الانتفاضات الاجتماعية في مصر، حيث تساءل عن سر إحجام المصريين عن النضال المسلح في صورته الثورية ؟!، وقد فسر الدكتور محمود إسماعيل هذه الظاهرة إلى أسباب " جغرا – تاريخية " فحواها كون المجتمع المصري أساساً مجتمعاً زراعياً بامتياز، ومعلوم أن سيكولوجية الفلاح –المستمدة من طبيعة عمله – تجعل منه " تواكلياً " " قدرياً " " زاهداً " في متع الحياة، أو بالأحرى تجعل من الفلاحين احتياطاً تعبوياً للنظام القائم، حسب القاعدة الماركسية المعروفة.
إن التجارب الثورية والتي سبق وأن ذكرتها كالثورة السربدارية، وثورة السادات في إيران إضافة إلى الثورات الأخرى كالقرامطة اعتمدت بالأساس على الفلاحين وقد نجحت في تأسيس كيانات سياسية استمرت لفترات متباينة، وأخيراً فقد أثبتت الثورات الشيوعية في القرن العشرين كالثورة الصينية، والثورة الكورية واللتان اعتمدتا بالأساس على الفلاحين مدى خطأ هذه القاعدة، وهنا أشير إلى تجربة ثورية قام بها الفلاحون في منطقة " خونان " الصينية سنة 1927، وقد كتب " ماو تسي تونج " تقريراً عن هذه التجربة للتدليل على أهمية مسألة الفلاحين، ففي هذه التجربة حطمت اتحادات الفلاحين والتي ضمت ما يزيد عن مليوني فلاح امتيازات الوجهاء المحليين، واستطاعت القيام بـ 14 إنجاز ثوري - على حد تعبير ماو تسي تونج – لعل أهمها الإطاحة بحكـم الإقطاعيين، وتأسيس قوات مسلحة مـن الفلاحين، وعلى المستوى الاجتماعي استطاعت القضاء على العشائرية كبناء اجتماعي، والسلطان الديني لآلهة المدن وسيطرة الأزواج على الزوجات، والقيام بإصلاح السدود وبناء الطرق، فالمشكلة إذن ليست في الفلاحين