بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
القاعدة الرابعة تبدو مرتبطة برفض الدكتور محمود إسماعيل لنظرية بعض المثقفين المغاربة حول حدوث قطيعة بين المشرق والمغرب الإسلاميين، وبالتالي فقد ضمن الكاتب خمس نماذج لحركات وهبات قام بها المهمشون في المغرب الإسلامي والأندلس، وهي بالفعل حملت الكثير من عناصر التشابه مع مثيلاتها في المشرق.
وبالتأكيد لا يمكن الاتفاق على وجود قطيعة معرفية بين المشرق والمغرب الإسلاميين في حين أن كل المذاهب الدينية التي اعتنقها المغاربة قادمة أصلاً من الشرق، إلا أنه وفي المقابل هناك بالفعل خصوصية في التاريخ المغربي، ففي حين أدت الإجراءات الاقتصادية للخلافة الأموية بالشرق إلى القضاء على الإقطاع القبلي تماماً، كما أدت الثورات العلوية وصعود العباسيين إلى ضعف الانتماء القبلي كوضع اجتماعي، استمرت سيادة هذا النمط في مناطق المغرب إلى فترة متأخرة من الخلافة العباسية، وكانت معظم الحركات المعارضة للحكم العباسي تعبيراً عن الصراع ما بين الوضع القبلي السائد في المغرب والأشكال الأخرى للإقطاع في الشرق والتي كانت الدولة العباسية تطمح إلى سيادتها، وقد قامت معظم الدول المعارضة للعباسيين بناء على تأييد زعماء قبائل أمازيغية (بربرية) لها، فالدولة الفاطمية اعتمدت على تأييد قبيلة كتامة، في حين اعتمدت دولة الأدارسة على قبيلة أوربة، واعتمدت الدولة المدرارية على قبيلة مكناسة، وعلى الرغم من ذلك فلم توفق أي من هذه الدول في نشر عقيدتها بتوسع بين المغاربة ربما بسبب عدم توافق هذه المذاهب في الأصل مع التراث القبلي المغربي، والواقع أن المذهبين الذين حققا نجاحاً في الأوساط الشعبية المغربية هما المذهب المالكي والمذهب الإباضي (أحد مذاهب الخوارج)، ومازال لهما نفس السطوة حتى الآن في المغرب العربي، ولعـل السبب فـي ذلك هو أن كلا المذهبين يبدي قدراً أكبر مـن المرونة في التعامل مـع الإقطاع والطموحات القبلية، وبالتالي فقد شهد المذهبين تنوع الانتماءات القبلية والعنصرية والطبقية للمعتنقين مـن المغاربة، وفي حين لم ينتج المتشيعين مـن المغاربة أي انتاجات فكرية أو فقهية تذكر سواء في العهـد الفاطمي أو الإدريسي، فإن الإنتاجات الفقهية والعقائدية المغربية في المذهبين المالكي والإباضي هي الأكثر نضجاً وتأثيراً في أتباع المذهبين سواء في الشرق أو الغرب.
لقد استدل د. محمود إسماعيل على التشابه فيما بين المشرق والمغرب بحركة " عمر بن حفصون" التي قامت في الأندلس، ورغم اتفاقي مع الدكتور محمود على عدم وجود القطيعة المدعاة بين الشرق والغرب فإن الاستدلال بثورة عمر بن حفصون ربما لا يمثل الدليل الأكثر واقعية، إن من الخطأ الربط بين تاريخ المغرب وتاريخ الأندلس الذي يمتلك وضعاً اقتصادياً واجتماعياً مختلفاً تماماً عـن المغرب، فقد كان التنوع ما بين عناصر المسلمين ما بين العرب والأمازيغ إضافة إلى خليط من الموالي الفرس والأفارقة وأكثرية من المسلمين من أصول أسبانية دوره في القضاء على سيادة الانتماءات القبلية، خاصة أن المجتمع الأندلسي ذاته لم يكن مجتمعاً قائماً على القبلية قبل دخول الإسلام، فرغم الارتباط الجغرافي والإثني بين المغاربة والأندلسيين، فإن الأندلس أقرب إلى الشرق في الناحية الاجتماعية والمعرفية، فبعكس المغرب فقد تنوعت المذاهب الدينية في أوساط الأندلسيين بالإضافة إلـى المذهـب المالكي، حيث انتشر المذهب المعتزلي، كما انتشرت المذاهب الشيعية على نطاق واسع كالمذهب الإسماعيلي، والمذهب الإثنى عشري بل أن ظاهرة العزاء الحسيني المنتشرة الآن بين الشيعة في العالم الإسلامي بنفس طقوسها بدأت أصلاً في مدينة مرسية وشرق الأندلس، حيث كان يقام مشهداً جنائزياً يجسد استشهاد الحسين بطريقة تمثيلية، ويحضر القراء والمنشدون لقراءة المراثي الحسينية، كما ألف الموريسكيون كتاباً في مغازي الإمام علي بن أبي طالب يبدو فيه بوضوح آثار الكثير من العقائد المتداولة بين الشيعة، وبالتالي فقد مثلت الأندلس إقليماً أوروبياً له صفاته الخاصة المختلفة عن الشرق الآسيوي والغرب الإفريقي