بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
القاعدة الثالثة تمثل السبب الثاني في قصور حركات العوام وهو " ضعف الوعي الطبقي "، يطرح الدكتور محمود إسماعيل هذه القاعدة كتفسير لقصور كل الحركات الاجتماعية، إلا أن الواقع أن ضعف الوعي الطبقي لا يشمل سوى الحركات والتنظيمات العشوائية كـ " الحرافيش " في مصر، وحركات " الأحداث " في الشام، و" الصقورة " في المغرب والأندلس، و" الفتاك " في آسيا الوسطى، وحركات " الفتوة " في الشام والعراق، إضافة إلى الحركات الحرفية كـ " العيارين " في العراق، والتي لم تكن تملك أي أهداف أو طموحات سياسية، ولم يكن لها برنامجاً اجتماعياً بديلاً، وبالتالي فقد كان بمقدور السلطة القضاء عليها بسهولة بل واستخدامها في مواجهة أعدائها في بعض الأحيان، فيروي ابن جبير في رحلته عن مشاهداته بدمشق، أن حركات " الفتوة " بالشام والتي كانت مؤيدة من صلاح الدين الأيوبي، كانت تقوم بعمليات اغتيال ضد الأهالي الشيعة في دمشق والذين كانوا يمثلون الغالبية العظمى من سكانها في تلك الفترة، والغريب أن المثل الأعلى لزعماء هذه الحركات كان علي بن أبي طالب !! وهنا يبدو من الواضح استخدام صلاح الدين لهذه الحركات في مواجهة الشيعة الذين اعتبرهم أعدائه التقليديين لإحداث تغيير في الانتماءات المذهبية لسكان دمشق، وبالتأكيد فإن هذه العمليات لا تنم عن أي وعي طبقي أو سياسي، أما حركات العيارين في العراق والحدادين في الأندلس فلم تكن لها أي مشروعات في مواجهة السلطة القائمة لذلك فقد كان من السهل على السلطة التعامل معها والسيطرة عليها، ومن ثم استغلالها.
ومن البديهي أن نجاح الثورة أو فشلها ليس دليلاً على وجود الوعي الطبقي أو انتفائه، ومع ذلك فنفس هذا القدر من الوعي هو الذي نجح العوام عن طريقة في تأسيس دولة القرامطة، والدولة الصفارية، إن الحركات الشيعية والخارجية كانت تمتلك قدراً كبيراً من الوعي الطبقي كما امتلكت برامجاً اجتماعية بديلة، وبينما كان الشيعة يمثلون مصالح الفلاحين والحرفيين وصغار التجار وهي الطبقات والشرائح التي استفادت من الإجراءات الاقتصادية التي أصدرها علي بن أبي طالب، كان الخوارج يروجون لبرنامج خليط ما بين الفكر التجاري والقبلي، كما روج السلفيين بزعامة "ابن تيمية" للإقطاع في العصر المملوكي، على أنه كما هو واضح فإنه من غير الممكن القول باكتمال الوعي الطبقي لدى هذه الحركات، فقد كانت محصورة في إطار الولاء الديني بحيث كانت ثوراتها ليست فقط تعبيراً عن طبقة وإنما عن الانتماء الطائفي، ومع ذلك فقد كان هذا القدر من الوعي الطبقي كافياً لنجاح هذه الثورات في تلك الفترة.
والواقع أنه حتى الحركات الاجتماعية والتي فشلت في البقاء لفترات طويلة كانت تمتلك وعياً طبقياً كثورة بابك الخرمي، وثورة أبي الخطاب الأسدي، وثورة المقنع الخراساني، ولم يكن فشلها ناتجاً عن ضعف الوعي الطبقي بقدر ما كان ناتجاً عن أخطاء تنظيمية أو سياسية، وتشير عبارة الثائر الشيعي التركي " بركليوجه مصطفى " الذي قاد ثورة ضد العثمانيين بمشاركة الفلاحين الأتراك واليونانيين المسيحيين: " إنني أدخل منزلك مثلما أدخل منزلي، وادخل أنت منزلي مثل دخول منزلك باستثناء الحريم " إلى وجود برنامجاً اجتماعياً واضحاً ووعياً طبقياً لدى هذه الحركات، وقد استطاعت بعضهـا تأسيس دول استمرت لفترات طويلة، كدولة السربداريين والتي قامت بناء على الفلاحين في خراسان، ودولة آل المشعشع والتي قامت على يد الفلاحين والعيارين في خوزستان، ودولة السادات والتي اعتمدت على الحرفيين والفلاحين في مازنداران، وكان الطابع المشترك ما بين هذه الدول هو المطالبة بتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية والعداء للإقطاع، ولذلك فهي تشترك أيضاً في أن أتباعها كانوا يقسمون النعم الدنيوية عليهم